الثعلبي
92
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
كلامين وهو خبر عن اللّه تعالى أنّ البيان وما يدلّ قوله قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ متصل بالكلام الأوّل إخبارا عن قول اليهود بعضهم لبعض ، ومعنى الآية : وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ، ولا تؤمنوا أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ من العلم والحكمة والحجّة في المنّ والسلوى ، وفلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات . ولا تؤمنوا أن يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ لأنّكم أصحّ دينا منه ، وهذا معنى قول مجاهد والأخفش . وقال ابن جريج وابن زيّاب : قالت اليهود لسفلتهم : لا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ كراهية أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ وأيّ فضل يكون لكم عليهم حيث علموا ما علمتم وحينئذ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ : يقولون عرفتم أنّ ديننا حقّ فلا تصدّقوهم لئلّا يعلموا مثل ما علّمتم ولا يحاجّوكم عند ربكم ، ويجوز أن يكون على هذا القول لا مضمرا كقوله تعالى يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا « 1 » يكون تقديره وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ لئلّا يؤتى أحد من العلم مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ وألا يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ . وقرأ الحسن والأعمش : إن يؤتى بكسر الألف ووجه هذه القراءة إنّ هذا كلّه من قول اللّه بلا اعتراض وأن يكون كلام اليهود تاما عند قوله إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ومعنى الآية : قُلْ يا محمد إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى ما يؤتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ يا أمّة محمد أَوْ يُحاجُّوكُمْ ، يعني إلا أن يجادلكم اليهود بالباطل فيقولون نحن أفضل منكم وقوله : عِنْدَ رَبِّكُمْ أي عند فضل ربّكم لكم ذلك ويكون ( أنّ ) على هذا القول بمعنى الجحد والنفي . وهذا معنى قول سعيد بن جبير والحسن وأبي مالك ومقاتل والكلبي . وقال الفرّاء : ويجوز أن يكون ( أو ) بمعنى حتّى كما يقال : تعلّق به أو يعطيك حقّك أي حتى يعطيك حقّك . وقال امرؤ القيس : فقلت له لا تبك عينك « 2 » إنّما * نحاول ملكا أو نموت فنعذرا « 3 » أي حتى نموت . والمعنى لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، ما أعطى أحدا مثل ما أعطيتم يا أمة محمد من الدّين والحجّة حتّى يحاجّوكم عند ربّكم . وقرأ ابن كثير : أن يؤتى بالمدّ وحينئذ يكون في الكلام إختيار تقديرها : أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة تحسدونهم ولا تؤمنون بهم وهذا قول قتادة والربيع .
--> ( 1 ) سورة النساء : 176 . ( 2 ) في المصدر : عيناك . ( 3 ) كتاب العين : 8 / 438 .