الثعلبي

40

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

وقال معاذ بن جبل : أحتبست عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوما لم أصلّ معه الجمعة . فقال : يا معاذ ما منعك من صلاة الجمعة ؟ قلت : يا رسول اللّه كان ليوحنا اليهودي عليّ أوقية [ من تبر ] ، وكان على بابي يرصدني ، فأشفقت أن يحبسني دونك . فقال : « أتحب يا معاذ أن يقضي اللّه دينك ؟ » . قلت : نعم يا رسول اللّه . قال : قل اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ . . إلى قوله : بِغَيْرِ حِسابٍ ، وقل : « يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمها تعطي منها ما تشاء وتمنع منها ما تشاء ، أقض عني ديني . فإن كان عليك ملئ الأرض ذهبا قضاه اللّه عنك » [ 37 ] « 1 » . قال قتادة : ذكر لنا أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . وقال ابن عباس ، وأنس بن مالك : لما فتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مكة ووعد أمته ملك فارس والروم . قالت : المنافقين واليهود : هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس ، هم أعزّ وأمنع من ذلك ، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم . فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . وروى كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده ، قال : خطّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الخندق في عام الأحزاب . ثمّ قطع أربعين ذراعا بين كلّ عشرة ، قال : فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي ، وكان رجلا قويا ، فقال المهاجرون : سلمان منّا . وقال الأنصار : سلمان منّا . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « سلمان منّا أهل البيت » [ 38 ] . قال عمرو بن عوف : كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعا ، فحفرنا حتى بلغنا الصدى أخرج اللّه من بطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقّت علينا . فقلنا يا سلمان : آت إلى رسول اللّه وأخبره خبر هذه الصخرة . فإمّا أن نعدل عنها فإنّ المعدل قريب ، وإما أن يأمرنا فيها بأمر ، فإنّا لا نحب أن نجاوز خطة . قال : فرقى سلمان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ضارب عليه قبّة تركية . فقال : يا رسول اللّه خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق ، وكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجيء منها قليل ولا كثير ، فمرنا فيها بأمرك فإنّا لا نحب أن نجاوز خطك ، قال : فهبط رسول اللّه مع سلمان الخندق وبقينا نحن التسعة على شفة الخندق . فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المعول من سلمان فضربها ضربة صدعها ، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها ، يعني المدينة ، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم ، فكبّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تكبير فتح ، وكبّر المسلمون ، ثم ضربها صلّى اللّه عليه وسلّم فكسرها ،

--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 4 / 52 ، ومسند الشاميين : 3 / 320 ، ح 2398 .