الثعلبي
239
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
قال الثعلبي : وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول : سمعت أبا حامد [ الخازرنجي ] يقول : المرابطة اعتقال المبارزين في الحرب ، وأصل الربط الشد ، ومنه قيل للخيل : الرباط ، ويقال : فلان رابط الجأش ، أي قوي القلب . قال لبيد : رابط الجأش على كل وجل « 1 » قال عبيد : داوموا واثبتوا . عن سمط بن عبد اللّه البجلي عن سلمان الفارسي : أنهم كانوا في جند المسلمين ، فأصابهم ضرّ وحصر فقال سلمان لصاحب الخيل : ألا أحدّثك حديثا سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيكون لك عونا على الجند ، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من رابط يوما أو ليلة في سبيل اللّه كان عدل صيام شهر وصلاته الذي لا يفطر ولا ينصرف من صلاة إلّا لحاجة ، ومن مات مرابطا في سبيل اللّه أجرى اللّه له أجرة حتى يقضي بين أهل الجنة وأهل النار » « 2 » [ 222 ] . الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « من رابط يوما في سبيل اللّه جعل اللّه عزّ وجلّ بينه وبين النار سبعة خنادق ، كل خندق منها كسبع سماوات وسبع أرضين » « 3 » [ 223 ] . وفيه قول آخر وهو ما روى مصعب بن ثابت عن عبد اللّه بن الزبير عن عبد اللّه بن صالح قال : قال لي سلمة بن عبد الرحمن : يا ابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا ؟ قال : قلت : لا . قال : إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم غزو يرابط فيه ، ولكنّه انتظار الصلاة خلف الصلاة . ودليل هذا التأويل ما روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أخبركم بما يمحو اللّه به الخطايا ويرفع به الدرجات » قالوا : بلى يا رسول اللّه . قال : « إسباغ الوضوء عند المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط » « 4 » [ 224 ] . وقال أصحاب اللسان في هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا عند صيام النفس على احتمال الكرب وَصابِرُوا على مقابلة العناء والتعب وَرابِطُوا في دار أعدائي بلا هرب . وَاتَّقُوا اللَّهَ بهمومكم من الالتفات إلى السبب لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ غدا بلقائي على بساط الطرب .
--> ( 1 ) الصحاح : 2 / 482 . ( 2 ) المصنف لابن أبي شيبة : 4 / 590 . وكنز العمال : 4 / 2327 باختلاف . ( 3 ) تحفة الأحوذي : 5 / 207 ، مجمع الزوائد : 5 / 289 . ( 4 ) تفسير الطبري : 4 / 293 ، والسنن الكبرى : 2 / 62 ، وتفسير القرطبي : 4 / 323 .