الثعلبي

205

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

وهو مقتول فوقف عليه ودعا ثم قرأ : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا « 1 » الآية ، ثم قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن رسول اللّه يشهد أن هؤلاء شهداء عند اللّه يوم القيامة ، فأتوهم وزوروهم وسلّموا عليهم ، فوالذي نفسي بيده لا يسلّم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلّا ردّوا عليه ، يُرْزَقُونَ من ثمار الجنة وتحفها » « 2 » [ 185 ] . فَرِحِينَ نصب على الحال والقطع من قوله يُرْزَقُونَ . وقرأ ابن السميقع : ( فارحين ) بالألف ، وهما لغتان كالفره والفاره والحذر والحاذر والطمع والطامع والبخل والباخل . بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من ثوابه وَيَسْتَبْشِرُونَ يفرحون ، وأصله من البشرة ، لأن الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في بشرة وجهه بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على منهاجهم من الإيمان والجهاد ، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا لحقوا بهم فصاروا من كرائم اللّه عزّ وجلّ إلى مثل ما صاروا هم إليهم ، فهم لذلك مستبشرون . وقال السدي : يؤتى الشهيد بكتاب فيه من تقدم عليه من إخوانه وأهله فيقال : تقدم فلان عليك يوم كذا وتقدم فلان يوم كذا ، فيستبشر حين يقدم عليه كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا . أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يعني بأن لا خوف عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ يعني وبأن اللّه في محل الخفض على قوله : بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ . وقرأ الكسائي والفرّاء والمفضل ومحمد بن عيسى : ( وَإِنَّ اللَّهَ ) بكسر الألف على الاستثناء ، ودليلهم قراءة ابن مسعود والله ( لا يضيع أجر المؤمنين ) . قال الكلبي باسناده : إن العبد إذا لقى العدو في سبيل اللّه ، فتح له باب من السماء وأطلعت عليه زوجتاه من الحور العين ، فإذا أقبل على العدو يقاتلهم قالتا : اللهم وفقه وسدّده ، وإذا أدبر عن العدو قالتا : اللهم أعف وتجاوز ، فإذا قتل يباهي اللّه عزّ وجلّ به الملائكة فيقول لهم : انظروا إلى عبدي بذل نفسه ودمه ابتغاء مرضاتي ، فتقول الملائكة : يا ربّ أفلا تذهب فتنصره على من يريد قتله ؟ فيقول لهم : خلّوا عن عبدي ، فقد سهر ونصب في طلب مرضاتي ، أحبّ لقائي وأحببت لقاءه . فينزل إليه زوجتاه من الحور العين ، ويأمر اللّه الملائكة أن يأتوه من آفاق الأرض ، فيحبونه ويبشرونه بالجنة والكرامة من اللّه تعالى ، فإذا فعلوا ذلك بعث اللّه إليهم :

--> ( 1 ) سورة الأحزاب : 32 . ( 2 ) كنز العمال : 10 / 381 ، ح 29892 .