الثعلبي

196

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

وقال الكلبي ومقاتل : نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز ، وطلبوا الغنيمة وقالوا : نخشى أن يقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : من أخذ شيئا فهو له ، وأن لا يقسّم الغنائم كما لم يقسّم يوم بدر ، فتركوا المركز ووقعوا في الغنائم ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري ؟ » قالوا : تركنا بقية إخواننا وقوفا ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « بل ظننتم أن نغل ولا نقسم » « 1 » [ 175 ] فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . وروى بعضهم عن الضحاك عن ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث طلائع فغنمت ، فقسمها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يقسم للطلائع ، فلما قدمت الطلائع قالوا : قسم الفيء ولم يقسم لنا ، فنزلت هذه الآية . قال قتادة : ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على النبي ( عليه السلام ) وقد غلّ طوائف من أصحابه . وفي بعض التفاسير : أن الأقوياء ألحّوا عليه يسألونه عن المغنم ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ فيعطي قوما ويمنع آخرين ، بل عليه أن يقسم بالسوية ولا يحرم أحدا . وقال محمد بن إسحاق بن يسار : هذا في الوحي يقول : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ويكتم شيئا من وحي اللّه عزّ وجلّ رغبة أو رهبة أو مداهنة ، وذلك أنهم كانوا يكرهون ما في القرآن من عيب دينهم وسب آلهتهم ، فسألوه أن يطوي ذلك ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ هذه الآية . فأما التفسير فقرأ السلمي ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو وعاصم : ( يَغَلُّ ) بفتح الياء وفتح الغين ، وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي عبيدة . وقرأ الباقون : بضم الياء وفتح الغين وهي قراءة ابن مسعود واختيار أبي حاتم ، فمعناه أن يخون ، والمراد به الأمة . وقال بعض أهل المعاني : اللام فيه منقولة ، معناه : ما كان النبي ليغل ، وما كان اللّه عزّ وجلّ أن يتخذ من ولد ، أي ما كان اللّه ليتخذ من ولد . وقال بعضهم : هذا من ألطف التعريض لها بأن [ برأ ساحة ] النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الغلول ، دلّ على أن الغلول في غيره ، ونظيره قوله عزّ وجلّ : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ « 2 » وهذا معنى قول السدي . وقال المفضل : معناه ما كان يظن به ذلك ولا يشبهه ولا يليق به ، فاحتج أهل هذه القراءة بقول ابن عباس : كيف لا يكون له أن يغل وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الأنبياء يقتل

--> ( 1 ) عون المعبود : 11 / 5 . ( 2 ) سورة سبأ : 24 .