الثعلبي

191

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

فَاعْفُ عَنْهُمْ تجاوز عنهم ما أتوا يوم أحد وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ حتى أشفعك فيهم وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ أي استخرج آراءهم فأعلم ما عندهم ، وهو مأخوذ من قول العرب : وشرت الدابة وشورته ، إذا استخرجت جريه وأعلمت خبره وتفنن لما يظهر من حالها مستورا ، وللموضع الذي يشور فيه أيضا يتولد ، وقد يكون أيضا من قولهم : شرت العسل واشترته فهو مشور ومشار ومشتار إذا أخذته من موضعه واستخرجته منه . وقال عدي بن زيد : في سماع يأذن الشيخ له * وحديث مثل ماذي مشار « 1 » واختلف العلماء في المعنى الذي لأجله أمر اللّه تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه وتتابع الوحي عليه ووجوب طاعته على أمته بما أحبوا وكرهوا . فقال بعضهم : هو خاص في المعنى وإن كان عاما في بعض اللفظ ، ومعنى الآية : وشاورهم فيما يسر عندك فيه من اللّه عهد ، ويدل عليه قراءة ابن عباس : وشاورهم في بعض الأمر . قال الكلبي : يعني ناظرهم في لقاء العدو ومكان الحرب عند الغزو . وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس في قوله : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ يعني أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما . وقال مقاتل وقتادة والربيع : كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شقّ عليهم ، فأمر اللّه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يشاورهم في الأمر الذي يريده ، فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم وأطيب لأنفسهم ، وإذا شاورهم عرفوا إكرامه لهم وأن القوم إذا عزموا وأرادوا بذلك وجه اللّه تعالى عزم اللّه لهم على الأرشد . قال الشافعي ( رضي اللّه عنه ) : ونظير هذا قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « البكر تستأمر في نفسها » « 2 » [ 170 ] إنما أمرنا استئذآنها لاستطابة نفسها وإنها لو كرهت كان للأب أن يزوجها . وكمشاورة إبراهيم ( عليه السلام ) ابنه حين أمر بذبحه . وقال الحسن : قد علم اللّه أنه ما به إليهم حاجة ولكنه أراد أن يستنّ به من بعده ، ودليل هذا التأويل ما روى أبو حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما شقي عبد قط بمشورة وما سعد باستغناء برأي » « 3 » [ 171 ] ، يقول اللّه عزّ وجلّ :

--> ( 1 ) كتاب العين : 6 / 280 . ( 2 ) مسند أحمد : 1 / 219 . ( 3 ) مسند الشهاب : 2 / 6 .