الثعلبي
120
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
عبادة بن نضلة الأنصاري : يا معشر الخزرج هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل ؟ إنّكم تبايعونه على حرب الأسود والأحمر ، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة ؟ وأشرافكم قتل أسلمتموه ، فمن الآن فهو واللّه خزي في الدنيا والآخرة ، وإن كنتم ترون أنكم وافون بالعهد له فيما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف ، فما لنا بذلك يا رسول اللّه إن نحن وفينا ؟ قال : « الجنة » . قالوا : ابسط يدك . فبسط يده فبايعوه ، فأول من ضرب على يده البراء بن معرور ، ثم تتابع القوم . قال : فلما بايعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعته قط : يا أهل الجباجب « 1 » هل لكم في مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هذا واللّه زنا العقبة اسمع أي عدو اللّه ، أما واللّه لأفرغن لك » . ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ارجعوا إلى رحالكم » . فقال له العباس بن عبادة بن نضلة : والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لم نؤمر بذلك ، ولكن ارجعوا إلى رحالكم » . قال : فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا [ ف ] غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا وقالوا : يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا ، فإنه واللّه ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم . قال : فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه . وصدقوا لم يعلموا . وبعضنا ينظر إلى بعض ، فقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان جديدان قال : فقلت له كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا : يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ . وأنت سيد من ساداتنا . مثل نعلي هذا الفتى من قريش ؟ قال : فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ، ثم رمى بهما إليّ وقال : واللّه لتنتعلنّهما ، فقال أبو جابر : واللّه أخفظت الفتى فاردد إليه نعليه . قال : قلت : لا أردهما ، قال : واللّه صلح ، واللّه لئن صدق لأسلبنه . قال : ثم انصرف أبو جابر إلى المدينة ، وقد شدّدوا العقد ، فلما قدموها أظهروا الإسلام بها وبلغ ذلك قريشا فآذوا أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه : « إنّ اللّه قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها » [ 85 ] « 2 » . فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم الأنصار ، فكان ممن هاجر أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي ، ثم عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة ، ثم عبد اللّه بن
--> ( 1 ) الجباجب هنا المنازل وفي الصحاح : الجبجبة جمع جباجب : زبيل من جلود ينقل فيه التراب ، وتسمّى « القفّة » راجع لسان العرب : 8 / 291 . ( 2 ) بطوله في تاريخ الطبري : 2 / 88 إلى 94 ، ومسند أحمد : 3 / 462 .