الثعلبي

111

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

عمر فأعجبته فقال : إنّ اللّه عز وجل يقول : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فأعتقها . وروى حمزة بن عبد اللّه بن عمر عن عبد اللّه بن عمر قال : خطرت على قلبي هذه الآية : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ . . . فتذكرت ما أعطاني اللّه ، فما كان شيء أعجب إليّ من فلانة فقلت : هي حرة لوجه اللّه ، ولولا أنني لا أعود في شيء جعلته لله عز وجل لنكحتها . ويقال : ضاف أبا ذر الغفاري ضيف فقال للضيف : إنّي مشغول فأخرج إلى أبواء فإنّ لي بها إبلا فأتني بخيرها ، فذهب وجاء بناقة مهزولة فقال له أبو ذر : جئتني بشرها ، فقال : وجدت خير الإبل فحلها فتذكرت يوم حاجتكم إليه ، فقال أبو ذر : إنّ يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي مع أنّ اللّه عز وجل يقول : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ . وعن رجل من بني سليم يقال له عبد اللّه بن سيدان عن أبي ذر قال : في المال ثلاث شركاء : القدر لا يستأمرك أن تذهب بخيرها أو شرها من هلاك أو موت أو فعل ، والوارث ينتظرك أن تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم ، والثالث أنت فإن استطعت أن لا يكون أعجب إليك مالا فإنّ اللّه عز وجل يقول : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ، وإنّ هذا الجمل كان مما أحب من مالي فأحببت أن أقدّمه لنفسي . وروي عن ربيع بن خيثم أنّه وقف سائل على بابه ، فقال : أطعموه سكرا فقيل : ما يصنع هذا بالسكّر فنطعمه خبزا فهو أنفع له ، فقال : ويحكم أطعموه سكّرا ؛ فإنّ الربيع يحب السكّر . وروي عن الربيع بن خيثم أيضا أنّه جاءه سائل في ليلة باردة ، فخرج إليه فرآه كأنّه مقرور قال : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فنزع برتشا له وأعطاه إياه وذكر أنّه كساه عروة . وبلغنا أن زبيدة أم جعفر اتخذت مصحفا في تسعين قطعة كتب بالذهب على الرق وجعلت ظهورها من الذهب مرصعة بالجواهر ، فبينما هي تقرأ القرآن ذات يوم فقرأت هذه الآية ، فلم يكن شيء أحبّ إليها من المصحف ، فقالت : عليّ بالصاغة ، فأمرت بالذهب والجواهر حتى بيعت وأمرت حتى حفرت الآبار وأشرف الحياض بالبادية . وقال أبو بكر الورّاق : دلّهم بهذه الآية على الفتوة ، وقال : لن تنالوا برّي بكم إلّا ببرّكم إخوانكم والإنفاق عليهم من أموالكم وجاهكم وما تحبّون ، فإذا فعلتم ذلك نالكم برّي وعطفي . وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ : أي فإنّ اللّه يجازي عليه لأنّه إذا علمه جازى عليه ، وتأويل ( ما ) تأويل الشرط والجزاء وموضعها نصب لينفقوا ، المعنى : وأي شيء ينفقون فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ .