الثعلبي
234
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
قال الشاعر : إليّ وما سحروا عداة منّا * عند الحمار يؤودها العقل حِفْظُهُما حفظ السماوات والأرض وَهُوَ الْعَلِيُّ الرفيع فوق خلقه في التدبير والقوّة والقدرة لا بالمسافة والمكان والجهة الْعَظِيمُ فلا شيء أعظم منه . قال المفسّرون : سبب نزول هذه الآية أنّ الكفّار كانوا يعبدون الأصنام ويقولون هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ الآية . قال مجاهد : نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يكنّى ( أبو الحصين ) وكان له ابنان فقدم تجّار الشام إلى المدينة يحملون الزيت فلما أراد الرجوع إلى المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانيّة فتنصّرا وخرجا إلى الشام ، فأخبر أبو الحصين رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك فقال لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : اطلبهما ، فانزل الله تعالى لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أبعدهما الله فهما أوّل من كفر » فوجد أبو الحصين في نفسه على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله تعالى فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ « 1 » الآية . قال : وكان هذا قبل أن يؤمر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بقتال أهل الكتاب ثم نسخ قوله : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ وأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة . وهكذا قال ابن مسعود وابن زيد : أنّها منسوخة بآية السيف ، وقال الباقون : هي محكمة . سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قال : كانت المرأة من الأنصار تكون مثقلا لا يعيش لها ولد ونذورا فتنذر لئن عاش لها ولد لتهوّدنّه ، فجاء الإسلام وفيهم منهم ، فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم أناس من الأنصار فقالت الأنصار : يا رسول الله أبناؤنا وإخواننا ، فسكت عنهم صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ . الآية . فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « قد خيّر أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم ، وإن اختاروهم فاجعلوهم معهم » . قال : وكان الفصل ما بين الأنصار واليهود إجلاء بني النضير فمن لحق بهم اختارهم ومن أقام اختار الإسلام . وقال المفسّرون : كان لرجل من الأنصار من بني سالم ابنان فتنصّرا قبل أن يبعث النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون الطعام فأتاهما أبوهما فلزمهما وقال : لا أدعكما حتّى تسلما ، فأبيا أن يسلما فاختصموا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر ؟ فأنزل الله تعالى لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ الآية ، فخلّى سبيلهما « 2 » .
--> ( 1 ) سورة النساء : 65 . ( 2 ) تفسير الطبري : 3 / 22 ، وأسباب النزول للواحدي : 53 .