الثعلبي
216
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
فقال طالوت : لا حاجة لي في كلّ ما أرى . لا يخرج معي رجل بني بناء لم يفرغ منه ، ولا صاحب تجارة مشتغل بها ، ولا رجل عليه دين ، ولا رجل تزوّج بامرأة لم يدن لها ولا أبتغي إلّا الشاب النشيط الفارغ . فاجتمع ثمانون ألفا ممن شرطه وكان في حرّ شديد فشكوا قلّة المياه بينهم وبين عدوهم ، وقالوا : إنّ المياه لا تحملنا فادع الله تعالى أن يجري لنا نهرا . ف قالَ طالوت : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ مختبركم ليرى طاعتكم وهو أعلم بِنَهَرٍ قرأه العامّة بفتح الهاء ، وقرأ حميد وابن محصن بِنَهْرٍ ساكنة الهاء ، وهما لغتان مثل شعر وشعر وصخر وصخر وصمغ وصمغ وسمع وسمع وفحم وفحم . قال ابن عباس والسدي : هو نهر فلسطين . قتادة والربيع : نهر بين الأردن وفلسطين عذب . فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي أي ليس من أهل ديني وطاعتي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ يشربه فَإِنَّهُ مِنِّي نظير قوله : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا « 1 » ثم استثنى فقال : إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ قرأ ابن عباس ، وابن أبي إسحاق ، وسليمان التيمي ، وابن أبي الجوزاء ، وأبو جعفر ، وشيبة ، ونافع ، وأبو مخرمة ، وأبو عمرو ، وأيوب : غَرْفَةً بفتح الغين وقرأ الباقون بضمّه وهو قراءة عثمان وهما لغتان . وقال الكسائي وأبو عبيدة : الغرفة بالضم الذي يحصل في الكف من الماء إذا غرف . والغرفة : الاغتراف ، فالضم اسم والفتح مصدر . وقال أبو حاتم : الغرفة بالضم ملء الكف أو ملء المغرفة ، والغرفة : المرّة الواحدة من القليل والكثير . فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ نصب على الاستثناء . وقرأ ابن مسعود قليل بالرفع كقول الشاعر : وكلّ أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلّا الفرقدان وكلّ قرينة قرنت بأخرى * وإن ضنّت بها سيفرّقان « 2 » واختلفوا في القليل الذي لم يشربوا ، فقال السدي : كانوا أربعة آلاف ، وقال غيره : ثلاث مائة وبضعة عشر وهو الصحيح ، يدلّ عليه قول البراء بن عازب قال : قال لنا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدر : « أنتم اليوم على عدّة أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاء معه إلّا مؤمن » « 3 » [ 181 ]
--> ( 1 ) سورة المائدة : 93 . ( 2 ) لسان العرب : 15 / 432 . ( 3 ) كنز العمال : 10 / 400 ح 29955 وجامع البيان : 2 / 839 بتفاوت .