الثعلبي
190
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
في مال المطلّق كما تقضى عليه سائر الديون الواجبة عليه ، سواء دخل بها أو لم يدخل ، فرض لها أو لم يفرض إذا كان الطلاق من قبله ، فأما إذا كان الفراق من قبلها فلا متعة لها ولا مهر ، وهو قول الحسن وسعيد بن جبير وأبي العالية ومحمد بن جرير ، قال : لقوله تعالى : وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فأوجب المتعة لجميع المطلقات ولم يفرّق ، ويكون معنى الآية على هذا القول : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ وقد فرضتم لهنّ فريضة أو لم تفرضوا لهنّ فريضة ، لأنّ كل منكوحة إنما هي احدى اثنتين : مسمّى لها الصداق أو غير مسمّى لها فعلمنا بالذي نقلوا من قوله أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً أن المعنيّة بقوله : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ المفروضات لهن مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وغير المفروض لها إذ لا معنى لقول القائل : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ثم قال : وَمَتِّعُوهُنَّ يعني الجميع . وقال آخرون : المتعة واجبة لكل مطلّقة سوى المطلقة المفروض لها إذا طلّقت قبل الدخول فإنه لا متعة لها وإنما لها نصف الصداق المسمّى ، وهذا قول عبد الله بن عمر ونافع وعطاء ومجاهد ومذهب الشافعي ، ويكون وجه الآية على هذا القول لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ ولم تفرضوا لهنّ فريضة ، الألف زائدة كقوله أَوْ يَزِيدُونَ ونحوها ، ثم أمر بالمتعة لهنّ . ويجوز أن يكون قوله وَمَتِّعُوهُنَّ راجعا إلى المطلقات غير المفروضات قبل المسيس دون المفروضات لهنّ ، ويكون قوله في عقبه : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ مختصا له ، فجرى في أول الآية على ظاهر العموم في المفروضات وغير المفروضات ، وفي قوله وَمَتِّعُوهُنَّ على التخصيص في غير المفروضات للآية التي بعدها . وقال الزهري : متعتان يقضي بأحدهما السلطان ولا يقضي بالأخرى ، بل يلزمه فيما بينه وبين الله ، فأمّا التي يقضي بها السلطان فهو فيمن طلق قبل أن يفرض لها ويدخل بها فإنه يؤخذ بالمتعة وهو قوله : حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ . والمتعة التي تلزم فيما بينه وبين الله تعالى ولا يقضي به السلطان هي فيمن طلق بعد ما يدخل بها ويفرض لها وهو قوله : حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ وقال بعضهم : ليس شيء من ذلك بواجب ، وإنما المتعة إحسان والأمر بها أمر ندب واستحباب لا أمر فرض وإيجاب ، وهو قول أبي حنيفة ، وروى ابن سيرين أنّ رجلا طلّق امرأة وقد دخل بها ، فخاصمته إلى شريح في المتعة فقال شريح : لا تاب أن يكون من المحسنين ولا تاب أن يكون من المتقين ولم يجبره على ذلك . واختلفوا في قدر المتعة ومبلغها ، فقال ابن عباس والشعبي والزهري والربيع بن أنس :