أبو الليث السمرقندي

85

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

السفلى . فأخصبوا ، وكثرت أموالهم ، واتخذوا من الجنان ما شاؤوا . فلما أحبوا ذلك وكذبوا رسلهم ، بعث اللّه عز وجل عليهم جرذا ، فنقب ذلك الردم بجنب بستان رجل منهم يقال له عمران بن عامر وهو أب الأنصار والأزد وغسان وخزاعة ويسمون المنسأة العرم ، فدخل البستان فإذا هو ينقب العرم وقد سال فأمر به فسد ثم نظر إلى الجرزة تنقل أولادها من أصل الجبل إلى أعلاه . وكان كاهنا فقال : ما تنقل هذه الجرزة أولادها من أصل الجبل إلى أعلاه إلا وقد حضر هلاك هذه البلدة . فدعى ابن أخ له فقال : إذا رأيتني جلست في جماعة قومي فائتني . فقل : أي عم أعطني ميراثي من أبي . فإني سأقول : وهل ترك أبوك شيئا ؟ فاردد علي وكذبني . فإذا كذبتني فإني سألطمك فالطمني . فقال : أي عم ما كنت لأفعل هذا بك ؟ قال : بلى . فلما رأى لعمه في ذلك هوى . قال : أفعل ما تأمرني ، ففعل . فقال عمران بن عامر : للّه علي كذا وكذا أن أسكن هذه البلاد من يشتري ما لي . فلما عرفوا منه الجد قال هذا : أعطيك كذا . فنظر إلى أجودهم صفقة . فقال : عجل إلى مالي فقد حلفت أن لا أبيت بها ، فعجل إليه ماله ، وارتحل من يومه حتى شخص عنهم ، فاتسع ذلك الخرق حتى انهدم وغرق بلادهم ، وتفرقوا في البلدان . فذلك قوله : لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ قرأ الكسائي : فِي مَسْكَنِهِمْ بكسر الكاف والنون . وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص : مَسْكَنِهِمْ بنصب الكاف وكسر النون . وقرأ الباقون : مساكنهم بالألف . والمسكن بنصب الكاف وكسره واحد وهما لغتان مثل مطلع ومطلع . والمساكين جمع مسكين . وقد قيل : المسكن جمع المساكين لقد كان في منازلهم وقرياتهم آيَةٌ أي : علامة ظاهرة لوحدانيتي جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ يعني : بستانان عن يمين الوادي ، وعن شماله . وإنما أراد بالبستان البساتين . ويقال : بساتين عن يمين الطريق ، وبساتين عن شماله . فأرسل اللّه تعالى إليهم الرسل فذكروهم النعم فقيل لهم كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ يعني : من فضل ربكم وَاشْكُرُوا لَهُ فيما رزقكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ يعني : هذه بلدة طيبة لينة بلا سبخة وَرَبٌّ غَفُورٌ لمن تاب من الشرك فَأَعْرَضُوا عن الإيمان . وقالوا : من ذا الذي يأخذ منا النعم فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ والعرم هو اسم لذلك الوادي . ويقال : اسم للمنشأة . ويقال : هو اسم للفأرة التي قرضت النهر حتى سال عليهم الماء . وجرى في بساتينهم وفي بيوتهم فخربها ، وندت أنعامهم ، وأخذ كل واحد منهم بيد ولده وامرأته ، فصعدوا بهم الجبل فذلك قوله تعالى وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ يعني : أبدلهم اللّه تعالى مكان الفاكهة ذواتي أكل خمط أي الأراك وَأَثْلٍ يعني : الطرفاء وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ والسدر كانوا يستظلون في ظله ، ويأكلون من ثمره . وقرأ أبو عمرو : أُكُلٍ بكسر اللام بغير تنوين . وقرأ الباقون : بالتنوين فمن قرأ بالتنوين أراد ذَواتَيْ ثمر يؤكل ثم قال : خَمْطٍ بدلا من أكل . والمعنى : ذواتي خمط وأكله ثمرة . ومن قرأ : بغير تنوين أضاف الأكل إلى الخمط . والخمط هو الأراك