أبو الليث السمرقندي

83

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قوله عز وجل : يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ يعني : ما يشاء سليمان مِنْ مَحارِيبَ يعني : المساجد . ويقال : الغرف . وَتَماثِيلَ يعني : على صور الرجال من الصفر والنحاس لأجل الهيبة في الحرب وغيره . ويقال : ويجعلون صورا للأنبياء ليستزيد الناس رغبة في الإسلام . ثم قال : وَجِفانٍ كَالْجَوابِ يعني : قصاعا كالحياض الكبيرة . ويجلس على القصعة الواحدة ألف رجل أو أقل أو أكثر . الجابية في اللغة : الحوض الكبير وجماعته جواب . قرأ ابن كثير : كالجوابي بالياء في الوقف والوصل جميعا . وقرأ أبو عمرو : وبالياء في الوصل والباقون : بغير ياء . فمن قرأ بالياء فلأنه الأصل ومن حذف فلاكتفائه بكسر الياء . قوله : وَقُدُورٍ راسِياتٍ يعني : ثابتات في الأرض لا تزول من مكانها ، وكان يتخذ القدور من الجبال . قال مقاتل : كان ملكه ما بين مصر وبابل . وقال بعضهم : جميع الأرض . ثم قال : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً يعني : يا آل داود لما أعطيتكم من الفضل . ويقال : معناه اعملوا عملا تؤدوا بذلك شكر نعمتي وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ والشكور هو المبالغة في الشكر . وهو من كان عادته الشكر في الأحوال كلها . ومثل هذا في الناس قليل . وهذا معنى قوله : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ وروي عن أبي العالية أنه قال هو شكر الشكر يعني : إذا شكر النعمة يعلم أن ذلك الشكر بتوفيق اللّه عز وجل . ويشكر لذلك الشكر ، وهذا في الناس قليل . ثم قال عز وجل : فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ يعني : على سليمان - عليه الصلاة والسلام - فكان سليمان يبني في بيت المقدس ، فرأى أن ذلك لا يتم إلا بالجن . فأمرهم بالعمل وقال لأهله : لا تخبروهم بموتي . فكان قائما في الصلاة ، متكئا على عصاه ، وكان سليمان - عليه الصلاة والسلام - يطول الصلاة . فكان الجن إذا حضروا ، رأوه قائما فرجعوا ويقولون : إنه قائم يصلي فيقبلون على أعمالهم . وروى إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال : كان سليمان - عليه السلام - إذا مرّ بشجرة يعني : بشيء من نبات الأرض قال لها : ما شأنك ؟ فتخبره الشجرة أنها وكذا وكذا ، ولمنفعة كذا وكذا ، فيدفعها إلى الناس حتى ينتفعوا بها . فمر بشجرة فقال لها : ما اسمك يا شجرة ؟ فقالت : أنا خرنوبة . فقال : ما شأنك ؟ قالت : أنا لخراب المسجد . فتعصى سليمان منها عصا ، فكانت الجن يقولون للإنس : إنا نعلم الغيب . وإن سليمان سأل اللّه عز وجل أن يخفي موته . فلما قضى اللّه عز وجل على سليمان الموت لم تدر الجن ولا الإنس ولا أحد كيف مات ، ولم يطلع أحد على موته . والجن تعمل بأشد ما كانوا عليه ، حتى خرّ سليمان - عليه السلام - فنظروا كيف مات فلم يدروا ، فنظروا إلى العصا فرأوا العصا قد أكلت يعني : قد أكل منها ، وفي العصا أرضة . فنظروا إلى أين أكلت الأرضة من العصا . فجعلوه علما ، ثم