أبو الليث السمرقندي

522

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

يقول : أين الملجأ من النار ؟ قرئ في الشاذ ، أين المفر بالكسر للفاء ، على معنى : أين مكان الفرار . وقراءة العامة بالنصب ، يعني : أين الفرار . ثم قال : كَلَّا لا وَزَرَ يعني : حقا لا جبل يلجئون إليه ، فيمنعهم من النار ، ولا شجر يواريهم . والوزر في كلام العرب ، الجبل الذي يلتجئ إليه ، والوزر والستر هنا ، الشيء الذي يستترون به . وقال عكرمة : ولا وزر . يعني : منعه . وقال الضحاك : يعني : لا حصن لهم يوم القيامة . ثم قال عز وجل : إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يعني : المرجع يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ يعني : يسأل ويبين له ، ويجازى بما قدم من الأعمال وأخر ، من سنة صالحة أو سيئة . قوله عز وجل : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ يعني : جوارح العبد شاهدة عليه . ومعناه على الإنسان من نفسه شاهد ، يشهد عليه كل عضو بما فعل . ويقال يعني : جوارح ، العبد شاهدة عليه ، ومعناه رقيب بعضها على بعض . والبصيرة أدخلت فيها الهاء للمبالغة ، كما يقال : رجل علامة . وقال الحسن : على نفسه بصيرة ، يعني : بعيوب غيره ، الجاهل بعيوب نفسه وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ يعني : ولو تكلم بعذر لم يقبل منه . ويقال : ولو أرخى ستوره ، يعني : أنه شاهد على نفسه ، وإن أذنب في الستور . قوله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ يعني : لا تعجل بقراءة القرآن ، من قبل أن يفرغ جبريل - عليه السلام - من قراءته وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، - رضي اللّه عنهما - قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، إذا نزل عليه القرآن ، تعجل به للحفظ فنزل : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ يعني : حفظه في قلبك وَقُرْآنَهُ يعني : يقرأ عليك جبريل ، حتى تحفظه فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يعني : إذا قرأ عليك جبريل فاقرأ أنت بعد قراءته وفراغه وقال محمد بن كعب : فاتبع قراءته ، يعني : فاتبع حلاله وحرامه . وقال الأخفش : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ يعني : تأليفه فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يعني : تأليفه ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ يعني : بيان أحكامه وحدوده . ويقال : علينا بيانه ، يعني : شرحه . ويقال : بيان فرائضه ، كما بين على لسان النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ثم نزل بعد هذه الأحكام ، قوله تعالى : كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ يعني : تحبون العمل للدنيا وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ يعني : تتركون العمل للآخرة . قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو بل يحبون بالياء ، على معنى الخبر عنهم . والباقون بالتاء ، على معنى المخاطبة . ثم بين حال ذلك اليوم فقال : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ أي : حسنة مشرقة مضيئة ، كما قال في آية أخرى : تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ( 24 ) [ المطففين : 24 ] إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ يعني : ناظرين يومئذ إلى اللّه تبارك وتعالى . وقال مجاهد : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ يعني : تنتظر الثواب من ربها . وهذا القول لا يصح ، لأنه مقيد بالوجوه ، موصول بإلى ، ومثل هذا ، لا يستعمل في الانتظار .