أبو الليث السمرقندي

500

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قوله تعالى : قالَ رَبِّ يعني : دعا نوح بعد ما كذبوه في طول المدة ، قال : رب يعني : يا رب ، إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي إلى التوحيد لَيْلًا وَنَهاراً يعني : في كل وقت سرا وعلانية . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً يعني : إلى التوحيد تباعدا من الإيمان . قال عز وجل : وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ إلى التوحيد ، لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ يعني : لا يسمعون دعائي ، وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ يعني : غطوا رؤوسهم بثيابهم لكي لا يسمعوا كلامي . وَأَصَرُّوا يعني : أقاموا على الكفر والشرك ، وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً يعني : تكبروا عن الإيمان تكبرا . قوله تعالى : ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً يعني : دعوتهم إلى الإيمان علانية من غير خفية ، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ يعني : صحت لهم ، وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً يعني : خلطت دعاءهم بالعلانية بدعائهم في السر . فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ يعني : توبوا وارجعوا من ذنوبكم ، يعني : الشرك والفواحش . إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يعني : غفارا لمن تاب من الشرك . يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً يعني : المطر دائما كلما احتاجوا إليه . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ يعني : يعطيكم أموالا وأولادا ، وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ يعني : البساتين ، وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً يعني : في الجنات . قوله تعالى : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ؟ ما لكم لا تخافون للّه عظمة في التوحيد ؟ وهو قول الكلبي ومقاتل ؛ وقال قتادة : ما لكم لا ترجون للّه عاقبة ؟ ويقال : ما لكم لا ترجون عاقبة الإيمان ؟ يعني : في الجنة . وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ما لكم لا تعلمون حق عظمته ؟ وقال مجاهد : ما لكم لا ترجون للّه عظمة ؟ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً يعني : خلقا بعد خلق وحالا بعد حال ، نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة . فمعناه : ما لكم لا توحدون ، وقد خلقكم ضروبا ؟ ويقال : أراد به اختلاف الأخلاق والمنطق ، ويقال أراد به المناظرة . [ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 15 إلى 28 ] أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ( 15 ) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ( 16 ) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ( 17 ) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً ( 18 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً ( 19 ) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً ( 20 ) قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً ( 21 ) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً ( 22 ) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ( 23 ) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً ( 24 ) مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً ( 25 ) وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ( 26 ) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً ( 27 ) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً ( 28 )