أبو الليث السمرقندي
485
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ يعني : اذكر ذلك اليوم . ويقال : معناه إن الثواب والعقاب . الذي ذكر ، في يوم يكشف عن ساق . قال ابن عباس : يعني : يظهر قيام الساعة . وروى سفيان ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن ابن عباس قال : عَنْ ساقٍ يعني : عن أمر عظيم ، وقال مجاهد : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ عن بلاء عظيم ، وقال قتادة : يكشف الأمر عن شدة الأمر . وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ قال الفقيه : حدثنا الخليل بن أحمد حدثنا ابن منيع : حدثنا هدبة حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن عمارة القرشي ، عن أبي بردة بن أبي موسى قال : حدثنا أبي قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إذا كان يوم القيامة مثّل لكلّ قوم ما كانوا يعبدون في الدّنيا ، فذهب كلّ قوم إلى ما كانوا يعبدون في الدّنيا ، ويبقى أهل التّوحيد فيقال لهم : كيف بقيتم ، وقد ذهب النّاس ؟ فيقولون : إنّ لنا ربّا كنّا نعبده في الدّنيا ولم نره قال أو تعرفونه إذا رأيتموه ؟ فيقولون : نعم . فيقال لهم : وكيف تعرفونه ولم تروه ؟ قالوا : لا شبه له . فيكشف لهم الحجاب ، فينظرون إلى اللّه تعالى ، فيخرّون له سجّدا ، ويبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر ، فيريدون السّجود فلا يستطيعون . فيقول اللّه تعالى عبادي ارفعوا رؤوسكم ، قد جعلت بدل كلّ رجل منكم رجلا من اليهود والنّصارى في النّار » . قال أبو بردة : فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز ، فقال : واللّه الذي لا إله إلا هو ، أحدثك أبوك بهذا الحديث ؟ فحلفت له ثلاثة أيمان ، فقال عمر : ما سمعت في أهل التوحيد حديثا هو أحب إلي من هذا الحديث . وقال القتبي : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ هذا من الاستعارة ، فسمى الشدة ساقا ، لأن الرجل إذا وقع في الشدة ، شمّر عن ساقه ، فاستعيرت في موضع الشدة . ويقال : يكشف ما كان خفيا . ويقال : يبدؤون عن أمر شديد ، وهو عذاب عظيم يوم القيامة . ثم قال عز وجل : خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ يعني : ذليلة أبصارهم ، تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ يعني : تغشاهم وتعلوهم كآبة وكشوف وسواد ؛ وذلك أن المسلمين ، إذا رفعوا رؤوسهم من السجود ، صارت وجوههم بيضاء كالثلج . فلما نظر اليهود والنصارى والمنافقون ، وهم عجزوا عن السجود ، حزنوا واغتموا فسودت وجوههم . ثم بيّن المعنى الذي عجزهم عن السجود ، فقال : وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ يعني : يدعون إلى السجود في الدنيا وهم أصحاء معافون ، فلم يسجدوا . [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 44 إلى 52 ] فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 44 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 45 ) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ( 46 ) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( 47 ) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ( 48 ) لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ( 49 ) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 50 ) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ( 51 ) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 52 )