أبو الليث السمرقندي
474
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
والعلقة والمضغة ، وخلق الحياة يعني : خلق إنسانا ، ونفخ فيه الروح ، فصار حيا . وقال الكلبي : خَلَقَ الْمَوْتَ بمنزلة كبش أملح ، لا يمر على شيء ، ولا يجد ريحه شيء إلا مات وَالْحَياةَ شيء كهيئة الفرس البلقاء الأنثى التي يركب عليها جبريل والأنبياء . وقال قتادة في قوله : خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ يعني : أذل اللّه ابن آدم بالموت ، وجعل الدنيا دار حياة وفناء ، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء . ويقال : خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ يعني : قدر الحياة ثم قدر الموت بعد الحياة . لِيَبْلُوَكُمْ يعني : ليختبركم ما بين الحياة والموت . أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا في حياته ، ويقال : أيكم أكمل عملا وأخلص عملا . ويقال : خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ أي : خلق الحياة للامتحان ، وخلق ؛ الموت للجزاء كما قيل : لولا المحن لقدمنا مفاليس ، وذلك أن اللّه تعالى ، خلق الجنة . وخلق لها أهلا ، وخلق النار وخلق لها أهلا ، وابتلاهم بالعمل والأمر والنهي ، فيستوجبون بفعلهم الثواب والعقاب . والابتلاء من اللّه تعالى ، أن يظهر من العبد ما كان يعلم منه في الغيب . ثم قال : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ يعني : العزيز بالنقمة للكافر ، والغفور لمن تاب منهم . ثم قال : الَّذِي خَلَقَ يعني : تبارك الذي خلق سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً يعني : مطبقا بعضها فوق بعض مثل القبة . ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ . قرأ حمزة ، والكسائي : من تفوت بغير ألف ، والباقون بالألف ، وهما لغتان . تفاوت الشيء وتفوت ، إذا اختلف ، يعني : ما ترى في خلق الرحمن اختلافا واضطرابا ، ويقال : ما ترى فيها من اعوجاج ، ولكنه مستوي . ويقال : معناه ما ترى في خلق السماوات من عيب . وأصله من الفوت أي يفوت الشيء ، فيقع فيه الخلل ، ولكنه متصل بعضها ببعض . ثم أمر بأن ينظروا في خلقه ، ليعتبروا به ويتفكروا في قدرته ، فقال عز وجل : فَارْجِعِ الْبَصَرَ يعني : رد البصر إلى السماء . ويقال : قلب البصر في السماء ، ويقال : اجتهد بالنظر إلى السماء . هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ؟ يعني : هل ترى فيها من شقوق ؟ ويقال : هل ترى فروجا أو صدوعا أو خللا ؟ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يعني : انظر إليها وإنما أمر بالنظر إلى السماء مرتين ، لأن الإنسان إذا نظر في الشيء مرة ، لا يرى أثر عيبه ما لم ينظر فيه مرة أخرى ؛ فأخبر اللّه تعالى أنه وإن نظر إلى السماء مرتين ، لا يرى فيها عيبا ، بل يتحير بالنظر إليها ، فذلك قوله : يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً يعني : يرجع البصر ذليلا . وَهُوَ حَسِيرٌ يعني : قد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللا . وقال القتبي : خاسِئاً أي : مبعدا ، وَهُوَ حَسِيرٌ أي : كليل منقطع عن أن يلحق ما نظر إليه قبل أن يرى شيئا من الخلل . ثم قال : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ يعني : بالنجوم والكواكب . وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ يعني : جعلنا بعض النجوم رميا للشياطين ، إذا تصدوا استراق السمع .