أبو الليث السمرقندي

461

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال عز وجل : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ يعني : أشهدوا على الطلاق والمراجعة فهو على الاستحباب . ويقال : على النكاح المستقبل ، فإن أراد به الإشهاد على الطلاق والمراجعة ، فهو على الاستحباب . ولو ترك الإشهاد بالمراجعة ، جاز الطلاق والمراجعة . فإن أراد به الإشهاد على النكاح ، فهو واجب ، لأنه لا نكاح إلّا بشهود . ثم قال : وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ يعني : يا معشر الشهود ، أدوا الشهادة عند الحاكم بالعدل على وجهها لحق اللّه تعالى ولسبب أمر اللّه تعالى . ثم قال : ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ يعني : هذا الذي يؤمر به . مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي : لا يكتم الشهادة . ثم قال : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً يعني : يخشى اللّه ويطلق امرأته للسنة ، يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً يعني : المراجعة . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ يعني : في شأن المراجعة . ويقال : يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً يعني : ينجو من ظلمات يوم القيامة ويرزقه الجنة . ووجه آخر : أن من اتقى اللّه عند الشدة وصبر ، يجعل له مخرجا من الشدة وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ يعني : يوسع عليه من الرزق . وقال مسروق : يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً قال : مخرجه أن يعلم أن اللّه هو يرزقه ، وهو يمنحه ويعطيه ، لأنه هو الرازق وهو المعطي وهو المانع . كما قال اللّه تعالى : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ [ فاطر : 3 ] الآية . ثم قال عز وجل : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ يعني : من يثق باللّه في الرزق فَهُوَ حَسْبُهُ يعني : اللّه كافيه . وروى سالم بن أبي الجعد : أن رجلا من أشجع أسره العدو ، فجاء أبوه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فشكا إليه ، فقال : اصبر . فأصاب ابنه غنيمة ، فجاء بهما جبريل - عليه السلام - وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً الآية . وعن عبد اللّه بن عباس - رضي اللّه عنه - قال : جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : يا رسول اللّه إن ابني أسره العدو وجزعت الأم ، فما تأمرني ؟ فقال : آمرك وإياها أن تستكثرا من قول : لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . فرجع إلى منزله ، فقالت له : بما ذا أمرك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فقال : بكذا . فقالت : نعم ما أمرك به . فجعلا يقولان ذلك ، فخرج ابنه بغنيمة كثيرة ، فنزل قوله تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ يعني : من يتق باللّه في الشدة ، يجعل له مخرجا من الشدة . ويقال : المخرج على وجهين : أحدهما أن يخرجه من تلك الشدة ، والثاني أن يكرمه فيها بالرضا والصبر . ثم قال : إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ يعني : قاضيا أمره . قرأ عاصم في رواية حفص بالِغُ أَمْرِهِ بغير تنوين ، بكسر الراء على الإضافة ، والباقون بالتنوين أَمْرِهِ بالنصب ، نصبه بالفعل بمعنى يمضي أمره في الشدة والرخاء أجلا ووقتا . ثم قال : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً يعني : جعل لكل شيء من الشدة والرخاء أجلا ووقتا ، لا يتقدم ولا يتأخر .