أبو الليث السمرقندي
448
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
[ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 9 إلى 11 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 9 ) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 10 ) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 11 ) قوله عز وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ يعني : إذا أذن للصلاة مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ يعني : امضوا إلى الصلاة فصلوها . ويقال : إِلى ذِكْرِ اللَّهِ يعني : الخطبة فاستمعوها . وروى الأعمش ، عن إبراهيم قال : كان ابن مسعود يقرأ : ( فامضوا إلى ذكر اللّه ) ويقول : لو قرأتها فاسعوا ، لسعيت حتى يسقط ردائي . وقال : القتبي : السعي على وجه الإسراع في المشي كقوله تعالى : وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى [ القصص : 20 ] والسعي : العمل كقوله تعالى : وَسَعى لَها سَعْيَها [ الإسراء : 19 ] وقال : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ( 4 ) [ الليل : 4 ] ، والسعي : المشي ، كقوله تعالى : يَأْتِينَكَ سَعْياً [ البقرة : 260 ] وكقوله تعالى : فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الجمعة : 9 ] وقال الحسن في قوله تعالى : فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ قال : ليس السعي بالأقدام ، ولكن سعي بالنية ، وسعي بالقلب ، وسعي بالرغبة . ثم قال : وَذَرُوا الْبَيْعَ ، ولم يذكر الشراء ، لأنه لما ذكر البيع ، فقد دل على الشراء . ومعناه : اتركوا البيع والشراء . وقال جماعة من العلماء : لو باع بعد الأذان يوم الجمعة ، لم يجز البيع . وقال الزهري : يحرم البيع يوم الجمعة عند خروج الإمام . وروى جويبر ، عن الضحاك أنه قال : إذا زالت الشّمس يوم الجمعة ، حرم الشّراء والبيع ، ولو كنت قاضيا لرددته . وروى معمر ، عن الزهري قال : الأذان الّذي يحرم نيّة البيع عند خروج الإمام وقت الخطبة ، وقال الحسن : إذا زالت الشّمس ، فلا تشتر ولا تبع . وقال محمد : يحرم البيع عند النّداء يوم الجمعة عند الصلاة . وروى عكرمة ، عن ابن عباس قال : لا يصحّ البيع والشّراء يوم الجمعة حين ينادى بالصّلاة حتّى تنقضي . وقال عامة أهل الفتوى من الفقهاء : إنّ البيع جائز في الحكم لأنّ النّهي لأجل الصّلاة وليس بمانع لمعنى في البيع . ثم قال : ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يعني : السعي إلى الصلاة ، وترك الشراء والبيع . والاستماع إلى الخطبة ، خير لكم من الشراء والبيع . إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني : فاعلموا ذلك . وكل ما في القرآن إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إن كنتم مؤمنين ، فهو بمعنى التقرير والأمر . ثم قال عز وجل : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ يعني : فرغتم من الصلاة ، فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ يعني : اطلبوا الرزق من اللّه تعالى بالتجارة والكسب . اللفظ لفظ الأمر ، والمراد به الرخصة ، كقوله : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [ المائدة : 2 ] ، وهي رخصة بعد النهي .