أبو الليث السمرقندي
438
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
الَّذِينَ عادَيْتُمْ ، كفار مكة . مِنْهُمْ مَوَدَّةً ؛ وذلك أنه لما أخبرهم عن إبراهيم بعداوته مع أبيه ، فأظهر المسلمون العداوة مع أرحامهم ، فشق ذلك على بعضهم ، فنزل عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً يعني : صلة . قال مقاتل : فلما أسلم أهل مكة ، خالطوهم وناكحوهم ، فتزوج النبي صلّى اللّه عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان ، وأسلمت وأسلم أبوها . ويقال : يسلم منهم فيقع بينكم وبينهم مودة بالإسلام ؛ وهذا القول أصح ، لأنه كان قد تزوج بأم حبيبة قبل ذلك . وَاللَّهُ قَدِيرٌ على المودة ؛ ويقال : قَدِيرٌ بقضائه وهو ظهور النبي صلّى اللّه عليه وسلم على أهل مكة . وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن تاب منهم ، رَحِيمٌ بهم بعد التوبة . ثم رخص في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم ، وهم خزاعة وبنو مدلج ، فقال عز وجل : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ يعني : عن صلة الذين لم يقاتلوكم في الدين ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ يعني : أن تصلوهم ، وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ يعني : تعدلوا معهم بوفاء عهدهم . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ يعني : العادلين بوفاء العهد ، يقال : أقسط الرجل ، فهو مقسط إذا عدل . وقسط يسقط ، فهو قاسط إذا جار . ثم قال عز وجل : إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ يعني : عن صلة الذين يقاتلوكم في الدين ، وهم أهل مكة ، ومن كان في مثل حالهم من أهل الحرب . وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ يعني : عاونوا على إخراجكم من دياركم . أَنْ تَوَلَّوْهُمْ يعني : أن تناصحوهم . وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ منكم يعني : يناصحهم ويحبهم منكم ، فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يعني : الكافرون الظالمون لأنفسهم . قوله عز وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ ؛ وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم صالح أهل مكة يوم الحديبية ، وكتب بينه وبينهم كتابا : « إنّ من لحق من المسلمين بأهل مكّة فهو منهم ، ومن لحق منهم بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ردّه عليهم » . فجاءت امرأة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، اسمها سبيعة بنت الحارث الأسلمية ، فجاء زوجها في طلبها ، فقال للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : ارددها فإنّ بيننا وبينك شرطا . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّما كان الشّرط في الرّجال ولم يكن في النّساء » . فأنزل اللّه تعالى : إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ نصب على الحال فَامْتَحِنُوهُنَّ يعني : اختبروهن ، ما أخرجكن من بيوتكن ؟ فَامْتَحِنُوهُنَّ يعني : اسألوهن ، ويقال : استخلفوهن ما خرجنا إلا حرصا على الإسلام ، ولم تكن لكراهية الزوج ، ولا لغير ذلك اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ يعني : أعلم بسرائرهن . فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ يعني : إذا ظهر عندكم إنها خرجت لأجل الإسلام ، ولم يكن خروجها لعداوة وقعت بينها وبين زوجها ، فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ يعني : لا تردوهن إلى أزواجهن . لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ يعني : لا تحل مؤمنة لكافر ، وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ يعني : ولا نكاح كافر لمسلمة .