أبو الليث السمرقندي
430
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
فقال عز وجل : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يعني : منافقي المدينة . يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني : من بني النضير . لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً يعني : ولا نطيع محمدا صلّى اللّه عليه وسلم في خذلانكم . وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ يعني : لنعينكم . وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في مقالتهم ، وإنما قالوا ذلك بلسانهم في غير حقيقة قلوبهم ، فقال اللّه تعالى : لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ يعني : لئن أخرج بنو النضير ، لا يخرج المنافقين معهم . وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ يعني : لا يمنعونهم من ذلك . وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ يعني : ولو أعانوهم لا يثبتون على ذلك وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ يعني : رجعوا منهزمين . ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ، ثم لا يثبتون يعني : لا يمنعون من الهزيمة . ثم قال عز وجل : لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً يعني : أنتم يا معشر المسلمين أشد رهبة فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ، يعني : خوفهم منكم أشد من عذاب اللّه في الآخرة . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ، يعني : لا يعقلون أمر اللّه تعالى . ثم أخبر عن ضعف اليهود في الحرب ، فقال عز وجل : لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً ، يعني : لا يخرجون إلى الصحراء لقتالكم . إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ ، يعني : حصينة أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ ، يعني : يقاتلونكم من وراء جدر ، فحذف الألف وهو جمع الجدار . قرأ ابن كثير وأبو عمرو من وراء جدار بالألف ، والباقون جُدُرٍ بحذف الألف وهو جماعة وممن قرأ جدار ، فهو واحد يريد به الجمع . ثم قال : بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ، يعني : قتالهم فيما بينهم إذا اقتتلوا شديد ، وأما مع المؤمنين فلا . ثم قال تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً ، يعني : تظن أن المنافقين واليهود على أمر واحد وكلمتهم واحدة . وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ، يعني : قلوب اليهود مختلفة ولم يكونوا على كلمة واحدة . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ يعني : ذلك الاختلاف بأنهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ يعني : لا يعقلون أمر اللّه تعالى . ثم ضرب لهم مثلا ، فقال عز وجل : كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني : مثل بني النضير مثل الذين من قبلهم ، يعني : أهل بدر . قَرِيباً يعني : كان قتال بدر قبل ذلك بقريب ، وهو مقدار سنتين أو نحو ذلك قريبا . ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ يعني : عقوبة ذنبهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني : عذابا شديدا في الآخرة ثم ضرب لهم مثلا آخر في الآخرة ، وهو مثل المنافقين مع اليهود حين خذلوهم ولم يعينوهم . كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ يعني : برصيصا الراهب . وروى عدي بن ثابت ، عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : كان في بني إسرائيل راهب عبد اللّه تعالى زمانا من الدهر ، حتى كان يؤتى بالمجانين فيعودهم ويداويهم ، فيبرءون