أبو الليث السمرقندي
428
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثلاثة أجزاء ، فقسم جزأين بين المسلمين ، وحبس جزءا للنفقة . فما فضل عن أهله ، رده إلى فقراء المسلمين . ثم قال : كَيْ لا يَكُونَ ، المال . دُولَةً . قرأ أبو جعفر المدني دُولَةً بالضم وجعله اسم يكون ؛ وقراءة العامة بالنصب ، يعني : لكي لا يكون دولة . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي دُولَةً بنصب الدال ، والباقون بالضم . فمن قرأ بالضم ، فهو اسم المال الذي يتداول ، فيكون مرة لهذا ومرة لهذا . وأما النصب ، فهو النقل والانتقال من حال إلى حال . بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ ، يعني : لكيلا يغلب الأغنياء على الفقراء ، ليقسمونه بينهم . ثم قال : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ، يعني : ما أعطاكم النبي صلّى اللّه عليه وسلم من الغنيمة فخذوه ، وما أمركم الرسول فاعملوا به ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا يعني : فامتنعوا عنه . وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصاه . ثم ذكر أن الفيء للمهاجرين ، فقال تعالى لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ ، يعني : الغنائم للفقراء المهاجرين ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ ، يعني : تركوا أموالهم وديارهم في بلادهم ، وهاجروا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ويقال : هذا ابتداء ومعناه عليكم بالفقراء المهاجرين ، يعني : اعرفوا حقهم وصلوهم ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني : أخرجهم أهل مكة من ديارهم وأموالهم . يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً ، يعني : يطلبون رزقا في الجنة ورضوان اللّه تعالى ، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، يعني : يطيعون اللّه فيما أمرهم بطاعته . أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ يعني : الصادقين في إيمانهم فطابت أنفس الأنصار بذلك ، فقالوا : هذا كله لهم وأموالنا أيضا لهم . فأثنى اللّه تعالى على الأنصار ، فقال عز وجل : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني : استوطنوا الدار يعني : دار المدينة من قبل هجرتهم ، يعني : نزلوا دار الهجرة في المدينة والإيمان ، يعني : تبوءوا الإيمان ، أي كانوا مؤمنين من قبل أن هاجر إليهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه . قال اللّه تعالى : يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ . يعني : يحبون من يقدم إليهم من المؤمنين ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا ، يعني : لا يكون في قلوبهم حسدا مما أعطوا ، يعني : المهاجرين . ويقال : حاجة يعني : حزازة ، وهو الحزن ؛ ويقال : ولا يجدون في صدورهم بخلا وكراهة بما أعطوا . وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ في القسمة يعني : الغنيمة ، يعني : تركوها للمهاجرين . وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ يعني : حاجة . وروى وكيع ، عن فضيل بن عمران ، عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - أن رجلا من الأنصار نزل به ضيف ، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه ، فقال لامرأته : نومي الصبية وأطفئي السراج ، وقربي إلى الضيف ما عندك ، فنزل وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ . ويقال : إن رجلا من الأنصار أهدي له برا من مشوي ، فقال : لعل جاري أحوج