أبو الليث السمرقندي

426

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

الإخراج من جزيرة العرب إلى الشام ، لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا ؛ يعني : لعذبهم بالقتل والسبي . وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ ، يعني : ذلك الذي أصابهم من الجلاء في الدنيا والعذاب في الآخرة . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ ، يعني : خالفوا اللّه ورسوله في الدين ، ويقال : عادوا اللّه ورسوله . وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ وأصله من يشاقق اللّه ، إلا أن إحدى القافين أدغمت في الأخرى وشددت ، يعني : من يخالف اللّه ورسوله في الدين ، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ، يعني : إذا عاقب ، فعقوبته شديدة . قوله عز وجل : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ يعني : من نخلة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فلم تقطعوها ، فَبِإِذْنِ اللَّهِ يعني : بأمر اللّه . وقال عكرمة : لما دخل المسلمون على بني النضير ، أخذوا يقطعون النخل ، فنهاهم بعضهم ، وتأولوا قوله تعالى : وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ [ البقرة : 205 ] وقال بعضهم : يقطع ويتأول قوله تعالى : وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا [ التوبة : 120 ] ، فأنزل اللّه تعالى : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ . وقال الزهري في قوله : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ اللينة : ألوان النخل كلها إلا العجوة ، وقال الضحاك : اللينة : النخلة الكرمة والشجرة الطيبة المثمرة ، وقال مجاهد : اللينة : الشجرة المثمرة . وروى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : نهى بعض المهاجرين بعضا عن قطع النخل ، وقالوا : إنما هي مغانم المسلمين . فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعها ، وبتحليل من قطعها ، وإنما قطعها وتركها بإذن اللّه تعالى . وعن ابن عباس أنه قال : أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بقطع النخل ، فشق ذلك على بني النضير مشقة شديدة ، فقالوا للمؤمنين : تزعمون أنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون في الأرض ، فدعوها قائمة ؛ فإنما هي لمن غلب ، فنزل : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ واللينة هي النخلة كلها ما خلا العجوة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها وهي العجوة فَبِإِذْنِ اللَّهِ يعني : القطع والترك بإذن اللّه . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه أمر عبد اللّه بن سلام ، وأبا ليلى المازني بقطع النخل ، فكان أبو ليلى يقطع العجوة ، وكان عبد اللّه بن سلام يقطع اللون ، فقيل لأبي ليلى : لم تقطع العجوة ؟ قال : لأن فيه كبت العدو . وقيل لابن سلام : لم تقطع اللون ، قال : لأني أريد أن تبقى العجوة للمسلمين . فأنزل اللّه تعالى رضا بما فعل الفريقان ، فقال اللّه تعالى : ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ . ثم قال عز وجل : وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ يعني : وليذل العاصين الناقضين العهد .