أبو الليث السمرقندي
424
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
فلما جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأخبره خبر هذه البعوث الثلاثة في ليلة واحدة ، صلى الصبح في ذلك اليوم ، وقال في الركعة الثانية : اللهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ، اللهم العن رعلان وذكوان وبني لحيان ، اللهم غفار ، غفر اللّه لها وسالم سالمها اللّه ، وعصية عصت اللّه ورسوله . فجاء أناس من بني كلاب يلتمسون من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم دية الكلابيين ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين قدم المدينة ، صالح بني النضير على أن لا يكونوا معه ولا عليه ؛ فاستعان النبي صلّى اللّه عليه وسلم في عقل الكلابيين قبائل الأنصار ؛ فلما بلغ العالية استعان من بني النضير فقال : أعينوني في عقل أصابني ، فقال : هؤلاء حلفائي . فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومعه أبو بكر ، وعمر ، وعلي - رضي اللّه عنهم - إلى بني النضير ، فقال حيي بن أخطب : اجلس يا أبا القاسم حتى نطعمك ونعطيك ما سألتنا . فجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلم في صفه ، ومعه أبو بكر ، وعمر ، وعلي - رضي اللّه عنهم - فقال حيي بن أخطب لأصحابه : إنما هو في ثلاثة نفر لا ترونه أقرب من الآن ، فاقتلوه لا تروا شرا أبدا . فنزل جبريل - عليه السلام - وأخبره ، فقام النبي صلّى اللّه عليه وسلم كأنه يريد حاجة ، حتى دخل المدينة فجاء إنسان ، فسألوه عنه فقال : رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم دخل أول البيوت . فقاموا من هناك ، فقال حيي بن أخطب : عجل أبو القاسم عليه ، فقد أردنا أن نطعمه ونعطيه الذي سأله . فلما رجع النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، جمع الناس وجاء بالجيش ، واختلفوا في قتل كعب بن الأشرف ، فقال بعضهم لبعض : قد كان قتل قبل ذلك ، وقال بعضهم : قتل في هذا الوقت . فبعث محمد بن سلمة ، فخرج محمد بن سلمة ، وأبو نائلة ، ورجلان آخران ، فأتوه بالليل ، وقالوا : أتيناك نستقرض منك شيئا من التمر . فخرج إليهم فقتلوه ، ورجعوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فخرج إليهم . النبي صلّى اللّه عليه وسلم مع الجيش إلى بني النضير ، فقال لهم : اخرجوا منها . فإذا جاء وقت الجذاذ ، فجذوا ثماركم . فقالوا : لا نفعل . فحاصرهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم ، نحن نعطيك الذي سألتنا . قال : « لا ولكن اخرجوا منها ، ولكم ما حملت الإبل إلّا الحلقة » ، يعني : السلاح ، قالوا : لا . فحاصرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خمس عشرة ليلة ، وأمر بقطع نخيلهم ، ونقب بيوتهم . فلما رأت اليهود ما يصنعون بهم ، فكلما نقب المسلمون بيت فروا إلى بيت ، آخر ينتظرون المنافقين . وقد قال المنافقون لهم : لئن أخرجتم لنخرجن معكم ، وإن قوتلتم لننصرنكم . فلما رأوا أنه لا يأتيهم أحد من المنافقين ولحقهم من الشر ما لحقهم ، قال بعضهم لبعض : ليس لنا مقام بعد النخيل ، فنحن نعطيك يا أبا القاسم على أن تعتق رقابنا إلا الحلقة ونخرج ، فأجلاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من المدينة ، ولهم ما حملت الإبل إلا الحلقة .