أبو الليث السمرقندي

423

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

إني قد حميت دينك أول النهار ، فاحم جسدي في آخره . وكانوا يجردون من قتل أصحابه ، فلما قتلوا عاصما ، حمته الدبر وهي الذنابير ، حتى جاء السيل من الليل ، فذهب به الدبر . وأسروا خبيب بن عدي ورجل آخر اسمه زيد بن الديشة ، فأما خبيب فذهبوا به إلى مكة ، فاشترته امرأة ومعها أناس من قريش - قتل لهم قتيل يوم بدر - فلما جيء بخبيب أتي به في الشهر الحرام ، فحبس حتى انسلخ الشهر الحرام ثم خرجوا به من الحرم ليصلبوه ، فقال لهم : اتركوني أصلي ركعتين ، فصلاهما . ثم قال : لولا خشيت أن يقولوا جزع من الموت ، لازددت . فقال : اللهم ليس هاهنا أحد أن يبلغ عني رسولك السلام ، فبلغ أنت عني السلام . ثم التفت إلى وجوههم ، وقال : اللهم أحصهم عددا وأهلكهم بدنا يعني : متفرقين ، ولا تبقي منهم أحدا . ثم صلبوه . وأما صاحبه ، الذي أسر معه ، اشتراه صفوان بن أمية . وأما البعث الثاني ، فإنه بعث محمد بن سلمة مع أصحابه ، فقتل أصحابه عن نحو طريق العراق ، وارتث هو من وسط القتلى فنجا . وأما البعث الثالث ، فإن عمرو بن مالك كتب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أن ابعث إليّ رجالا يعلموننا القرآن ، ويفقهوننا في الدين ، فهم في ذمتي وجواري . فبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم المنذر بن عمرو الساعدي في أربعة عشر من المهاجرين والأنصار ، فساروا نحو بئر معونة . فلما ساروا ليلة من المدينة ، بلغهم أن عمرو بن مالك مات ، فكتب المنذر بن عمرو إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يستمده ، فأمده صلّى اللّه عليه وسلم بأربعة نفر منهم عمرو بن أمية الضمري ، والحارث بن الصمة ، وسعد بن أبي وقاص ، ورجل آخر ؛ فساروا حتى بلغوا بئر معونة ، وكتبوا إلى ربيعة بن عامر بن مالك : نحن في ذمتك وذمة أبيك ، أفنقدم إليك أم لا ؟ فقال : أنتم في ذمتي وجواري فأقدموا . فخرج إليهم عامر بن الطفيل ، واستعان برعل وذكوان وعصية فخرجوا إلى المسلمين . فقاتلوهم ، فقتلوا كلهم إلا عمرو بن أمية الضمري ، والحارث بن الصمة ، وسعد بن أبي وقاص ، كانوا تخلفوا . فنزلوا تحت شجرة إذ وقع على الشجرة طير ، فرمى عليهم بعلقة دم ، فعرفوا أن الطير قد شرب الدم ، فقال بعضهم لبعض : قد قتل أصحابنا . فصعدوا أعلى الجبل ، فنظروا فإذا القوم صرعى ، وقد اعتكفت عليهم الطير ، فقال الحارث بن الصمة : أنا لا أنتهي حتى أبلغ مصارع أصحابي . فخرج إليهم فقاتل القوم ، فقتل منهم رجلين . ثم أخذوه فقالوا له : ما تحب أن نصنع بك ؟ فقال لهم : ابلغوا بي مصارع قومي . فلما بلغ مصارع أصحابه ، أرسلوه فقاتلهم ، فقتل منهم اثنين . ثم قتل فرجع عمرو بن أمية الضمري ، ورجع معه الرجلان الآخران إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فخرج رجلان من عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مستأمنين ، قد كساهما وحملهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : من أنتما ؟ قال : كلابيان . فقتلهما عمرو بن أمية الضمري ، وأخذ سلبهما ، ودخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأخبره الخبر ، فقال : بئس ما صنعت حين قتلتهما .