أبو الليث السمرقندي

408

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال عز وجل : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ يعني : باطلا ، ولهوا . يعني : فرحا يلهون فيها وَزِينَةٌ يعني : زينة الدنيا وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ عن الحسب وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ تفتخرون بذلك . وروى إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد اللّه ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما لي وللدّنيا ، إنّما مثلي ومثل الدّنيا كمثل راكب قام في ظلّ شجرة في يوم صائف ، ثم راح وتركها » . ثم ضرب للدنيا مثلا آخر فقال : كَمَثَلِ غَيْثٍ يعني : كمثل مطر نزل من السماء فينبت به الزرع ، والنبات ، أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ يعني : فرح الزارع بنباته ، ويقال : أَعْجَبَ الْكُفَّارَ يعني : الكفار باللّه ، لأنهم أشد إعجابا بزينة الدنيا من المؤمنين . ويقال : الْكُفَّارَ كناية عن الزراع ، لأن الكفر في اللغة هو التغطية ، ولهذا سمي الكافر كافرا لأنه يغطي الحق بالباطل . فسمي الزراع كفارا لأنهم يغطون الحب تحت الأرض ، وليس ذلك الكفر الذي هو ضد الإيمان ، والطريقة الأولى أحسن إن أراد به الكفار ، لأن ميلهم إلى الدنيا أشد ثُمَّ يَهِيجُ يعني : ييبس فيتغير فَتَراهُ مُصْفَرًّا بعد خضرته ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً يعني : يابسا . ويقال : حُطاماً يعني : هالكا ، فشبّه الدنيا بذلك ، لأنه لا يبقى ما فيها ، كما لا يبقى هذا النبت فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ لمن افتخر بالدنيا ، واختارها وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ لمن ترك الدنيا ، واختار الآخرة على الدنيا . ويقال : عذاب شديد لأعدائه ، ومغفرة من اللّه لأوليائه . ثم قال : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ يعني : كمتاع الغرور ، يعني : كالمتاع الذي يتخذ من الزجاج ، والخزف ، يسرع إلى الفناء ولا يبقى . ثم قال عز وجل : سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني : سارعوا بالأعمال الصالحة . ويقال : بادروا بالتوبة . وقال مكحول : سابقوا إلى تكبيرة الافتتاح وَجَنَّةٍ يعني : إلى جنة عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ يعني : لو ألصقت بعضها على بعض . يعني : سبع سماوات ، وسبع أرضين ، ومدت مد الأديم ، لكان عرض الجنة أوسع من ذلك ؛ وإنما بين عرضها ، ولم يبين طولها . ويقال : لو جعلت السماوات والأرض لكانت الجنة بعد ذلك . هذا مثل يعني : إنها أوسع شيء رأيتموه أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني : خلقت ، وهيئت للذين صدقوا بوحدانية اللّه تعالى ، وصدقوا برسله ، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يعني : ذلك الثواب فضل اللّه على العباد يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ يعني : يعطيه من يشاء من عباده ، وهم المؤمنون ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعني : ذو العطاء العظيم ، وذو المنّ الجسيم . قوله تعالى : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ يعني : من قحط المطر ، وغلاء السعر ، وقلة النبات ، ونقص الثمار ، وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ من البلايا ، والأمراض ، والأوجاع . إِلَّا فِي كِتابٍ يعني : إلا في اللوح المحفوظ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها يعني : من