أبو الليث السمرقندي

403

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال : هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ هو الذي ينزل جبريل على عبده محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، يقرأ عليه آياتٍ بَيِّناتٍ يعني : آيات القرآن ، واضحات بيّن فيها الحلال ، والحرام ، والأمر ، والنهي . لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني : يدعوكم من الشرك إلى الإيمان . ويقال : آياتٍ بَيِّناتٍ يعني : واضحات . ويقال : آياتٍ يعني : علامات النبوة لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يعني : ليوفقكم اللّه تعالى للهدى ، ويخرجكم من الكفر . وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ يعني : هداكم لدينه ، وأنزل عليكم . ثم قال عز وجل : وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني : ما لكم ألا تصدقوا ، أو ألا تنفقوا أموالكم في طاعة اللّه . وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني : إلى اللّه يرجع ميراث السماوات والأرض ، أي : شيء ينفعكم ترك الإنفاق ، ميتون ، تاركون أموالكم . ويقال : معناه : وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا والأموال كلها للّه تعالى وهو يأمركم بالنفقة . ويقال : أنفقوا ما دمتم في الحياة ، فإنكم إن بخلتم ، فإن اللّه هو يرثكم ، ويرث أهل السماوات . يعني : أنفقوا قبل أن تفنوا ، وتصير كلها ميراثا للّه تعالى بعد فنائكم ، وإنما ذكر لفظ الميراث ، لأن العرب تعرف ما ترك الإنسان ميراثا ، فخاطبهم بما يعرفون فيما بينهم . ثم قال : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ يعني : لا يستوي منكم في الفضل ، والثواب عند اللّه تعالى مَنْ أَنْفَقَ ماله في طاعة اللّه مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ يعني : قاتل العدو . وفي الآية : تقديم يعني : من أنفق وقاتل مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ يعني : فتح مكة . ونزلت الآية في شأن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المهاجرين والأنصار . يعني : الذين أنفقوا أموالهم مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقاتلوا الكفار ، لا يستوي حالهم وحال غيرهم . ويقال : نزلت الآية في شأن أبي بكر رضي اللّه عنه كان جالسا مع نفر من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فوقعت بينهم منازعة في شيء ، فنزل في تفضيل أبي بكر رضي اللّه عنه لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ ماله مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ يعني : من قبل ظهور الإسلام وَقاتَلَ يعني : وجاهد أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً يعني : أبا بكر رضي اللّه عنه مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا العدو مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ويقال : هذا التفضيل لجميع أصحابه رضي اللّه عنهم أجمعين . وروى سفيان عن زيد بن أسلم قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « سيأتي قوم بعدكم يحقرون أعمالكم مع أعمالهم » . قالوا : يا رسول اللّه نحن أفضل أم هم ؟ فقال : « لو أنّ أحدهم أنفق مثل أحد ذهبا ، ما أدرك فضل أحدكم ولا نصفه » . أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً قال الفقيه : حدثني الخليل بن أحمد . ثنا الدبيلي . ثنا عبيد اللّه عن سفيان ، عن زيد بن أسلم مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى قرأ ابن عامر : وكلّ وعد اللّه الحسنى بضم اللام . والباقون : بالنصب . فمن قرأ بالضم ، صار ضمّا لمضمر فيه ، فكأنه قال : أولئك وعد اللّه الحسنى . ومن نصب : معناه وعد اللّه كلّا الحسنى يعني : الجنة .