أبو الليث السمرقندي

396

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال : نَحْنُ خَلَقْناكُمْ يعني : خلقناكم ، ولم تكونوا شيئا ، وأنتم تعلمون فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ يعني : أفلا تصدقون بالبعث وبالرسل . ثم أخبر عن صنعه ليعتبروا فقال : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ يعني : ما خرج منكم من النطفة ، ويقع في الأرحام أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ يعني : منه بشرا في بطون النساء ذكرا أو أنثى أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ يعني : بل نحن نخلقه نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ يعني : نحن قسمنا بينكم الآجال ، فمنكم من يموت صغيرا ، ومنكم من يموت شابا ، ومنكم من يموت شيخا . قرأ ابن كثير : نَحْنُ قَدَّرْنا بالتخفيف وقرأ الباقون : قَدَّرْنا بالتشديد ، ومعناهما واحد لأن التشديد للتكثير . ثم قال : وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ يعني : وما نحن بعاجزين إن أردنا أن نأتي بخلق مثلكم ، وأمثل منكم ، وأطوع للّه تعالى : وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ يعني : ونخلقكم سوى خلقكم من الصور فيما لا تعلمون من الصور ، مثل القردة ، والخنازير . ويقال : وما نحن بعاجزين على أن نرد أرواحكم إلى أجسامكم بعد الموت . ثم قال عز وجل : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى يعني : علمتم ابتداء خلقكم إذا خلقناكم في بطون أمهاتكم ، ثم أنكرتم البعث فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ يعني : فهل لا تتعظون ، وتعتبرون بالخلق الأول ، أنه قادر على أن يبعثكم كما خلقكم أول مرة ، ولم تكونوا شيئا . ثم قال : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ يعني : فهل لا تعتبرون بالزرع الذي تزرعونه في الأرض أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ يعني : تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ يعني : أم نحن المنبتون . يعني : بل اللّه تعالى أنبته لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً يعني : يابسا ، هالكا ، بعد ما بلغ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ يعني : فصرتم تندمون . ويقال : يعني : تتعجبون من يبسه بعد خضرته إِنَّا لَمُغْرَمُونَ يعني : معذبون بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ يعني : حرمنا منفعة زرعنا . قرأ عاصم في رواية أبي بكر : إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بهمزتين على الاستفهام وقرأ الباقون : بهمزة واحدة على معنى الخبر . ثم قال : أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ يعني : من السماء أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ يعني : بل نحن المنزلون عليكم لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً يعني : مرّا ، مالحا ، لا تقدرون على شربه فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ يعني : هلا تشكرون رب هذه النعمة ، وتوحدونه حين سقاكم ماء عذبا . ثم قال عز وجل : أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ يعني : تقدحون ، والعرب تقدح بالزند والزند خشبة يحك بعضه على بعض ، فيخرج منه النار أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها يعني : خلقتم شجرها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ يعني : الخالقون . يعني : اللّه أنشأها ، وخلقها لمنفعة الخلق ،