أبو الليث السمرقندي

384

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني : أن تخرجوا من أطراف السّموات ، والأرض ، ونواحيها ، فَانْفُذُوا يعني : فأخرجوا إن استطعتم . قال مقاتل : هذا الخطاب للجن ، والإنس في الدنيا . يعني : إن استطعتم أن تخرجوا من أقطار السماوات والأرض هروبا من الموت ، فانفذوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يعني : أينما أدرككم الموت . وروي عن ابن عباس أنه قال : هذا الخطاب في يوم القيامة ، وذلك أن السماء تتشقق بالغمام ، وتنزل ملائكة السّموات ، ويقومون حول الدنيا محيطين بها ، وجاء الروح وهو ملك يقوم صفّا وهو أكبر من جميع الخلق ، فحينئذ يقال لهم : إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ يعني : لا تنجون إلا بحجة ، وبرهان . ثم قال : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني : فبأي نعمة من نعمائه تجحدون حيث بيّن لكم أحوال يوم القيامة حتى تتوبوا ، وترجعوا . ويقال : معناه ذلك اليوم لا يفوته أحد ولا يعينكم أحد غيره ، فكيف تجحدون هذه النعم . ثم قال : يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ يعني : يرسل على كفار الجن ، وكفار الإنس ، لهب من النار وَنُحاسٌ يعني : الصفر المذاب يعذبون بهما . ويقال : دخان لهب فيه . ويقال : النحاس هو لباس أهل النار فَلا تَنْتَصِرانِ يعني : لا تمنعان من ذلك . قرأ ابن كثير : يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ بكسر الشين . والباقون : بالضم . فهما لغتان ، ومعناهما واحد . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : وَنُحاسٌ بكسر السين . والباقون : بالضم . فمن قرأ بالكسر عطف على قوله من نار ، ومن قرأ بالضم عطف على قوله شواظ . ثم قال : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني : لا يعينكم أحد غير اللّه ، ولا يحفظكم حين يرسل عليكم العذاب إلا اللّه فكيف تنكرون قدرته وتوحيده ؟ . ثم قال عز وجل : فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ يعني : انفرجت السماء لنزول الملائكة ، كقوله : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [ الفرقان : 25 ] . ثم قال : فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ يعني : صارت كدهن الورد الصافي ، وهذا قول مقاتل . وقال القتبي : صارت حمراء في لون الفرس . يعني : بمنزلة الدابة الجلجون الذي تغير لونه في كل وقت ، يرى لونه على خلاف اللون الأول ، ويقال له : المورد ويقال : الدهن الأديم الأحمر بلغة الفارسي . يعني : الفرس الذي يكون لونه لون الورد الأحمر ، يعنون أخضر يضرب إلى سواد ، يتغير لونه بياض . ويقال : من هيبة ذلك زاغ فيرى أنه كالدهن . ثم قال عز وجل : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يعني : إذا كان يوم القيامة ، تغيرت السماوات من هيبته ، ويأمر الخلق بالحساب ، فهو الذي ينجيكم من هول ذلك اليوم ، فكيف تنكرون هذه النعمة .