أبو الليث السمرقندي
371
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله تعالى : مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يعني : مقبلين إلى صوت إسرافيل يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ يعني : شديد عسر عليه . وروي في الخبر : « أنّهم إذا خرجوا من قبورهم ، يمكثون واقفين أربعين سنّة » ويقال : مائة سنة ، حتى يقولوا أرحنا من هذا ، ولو إلى النار ، ثم يؤمرون بالحساب . ثم عزى نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ليصبر على أذى قومه كما لقي الرسل من قومهم فقال : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ يعني : قبل قومك يا محمد قَوْمُ نُوحٍ حين أتاهم بالرسالة فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نوحا وَقالُوا مَجْنُونٌ يعني : قالوا لنوح : إنك مجنون وَازْدُجِرَ يعني : أوعد بالوعيد . ويقال : صاحوا به حتى غشي عليه . وقال القتبي : وَازْدُجِرَ أي : زجر . وهو افتعل من ذلك ، فلما ضاق صدره فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ يعني : مقهور فيما بينهم فَانْتَصِرْ يعني : أعني عليهم بالعذاب ، فأجابه اللّه كما في سورة الصافات : وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ( 57 ) [ الصافات : 75 ] . قوله عز وجل : فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ يعني : طرق السماء بِماءٍ مُنْهَمِرٍ يعني : منصبا كثيرا . وقال القتبي : بِماءٍ مُنْهَمِرٍ أي : كثير ، سريع الانصباب . ومنه يقال : همر للرجل إذا كثر من الكلام ، وأسرع فيه . قرأ ابن عامر : فَفَتَحْنا بتشديد التاء على تكثير الفعل . وقرأ الباقون : بالتخفيف ، لأنها فتحت فتحا واحدا . قوله عز وجل : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً يعني : أخرجنا من الأرض عيونا مثل الأنهار الجارية فَالْتَقَى الْماءُ يعني : ماء السماء ، وماء الأرض ، عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ يعني : على وقت قد قضى وَحَمَلْناهُ يعني : حملنا نوحا عَلى ذاتِ أَلْواحٍ يعني : على سفينة قد اتخذت بألواح وَدُسُرٍ يعني : سفينة قد شدت بالمسامير . وقال بعضهم : كانت سفينة نوح من صاج . وقال بعضهم : من خشب شمشار . ويقال : من الجوز . وقال القتبي : الدسر المسامير ، واحدها دسار ، وهي أيضا الشريط الذي يشد بها السفينة . ثم قال : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا يعني : تسير السفينة بمنظر منا ، وأمرنا . ويقال : بمراد وحفظ منا . وقال الزجاج في قوله : فَالْتَقَى الْماءُ ولم يقل الماءان ، لأن الماء اسم لجميع ماء السماء ، وماء الأرض . فلو قال : ماءان لكان جائزا ، لكنه لم يقل . ثم قال : جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ يعني : الحمل على السفينة ، ثواب لنوح الذي كفر به قومه . وقرأ بعضهم : جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ بالنصب يعني : الفرق عقوبة لمن كذب باللّه تعالى ، وبنوح . [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 15 إلى 20 ] وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 15 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 16 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 17 ) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 18 ) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ( 19 ) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ( 20 )