أبو الليث السمرقندي
363
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قال عز وجل : وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ يعني : ليس لهم حجة على مقالتهم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يعني : ما يتبعون إلا الظن يعني : على غير يقين وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً يعني : لا يمنعهم من عذاب اللّه شيئا فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا يعني : اترك من أعرض عن القرآن ، ولا يؤمن به . وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا يعني : لم يرد بعلمه الدار الآخرة ، إنما يريد به منفعة الدنيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ يعني : غاية علمهم الحياة الدنيا . ويقال : ذلك منتهى علمهم ، لا يعلمون من أمر الآخرة شيئا ، وهذا كقوله : يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ . ثم قال عز وجل : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ يعني : هو أعلم بمن ترك طريق الهدى وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى يعني : من تمسك بدين الإسلام ، ومعناه : فأعرض عنهم ، ولا تعاقبهم ، فإن اللّه عليم بعقوبة المشركين ، وبثواب المؤمنين ، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال . ثم عظم نفسه بأنه غني عن عبادتهم فقال : وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا يعني : ليعاقب في الآخرة الذين أشركوا ، وعملوا المعاصي وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى يعني : ويثيب الذين آمنوا ، وأدوا الفرائض الخمسة بإحسانهم . ثم نعت المحسنين فقال : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ قرأ حمزة والكسائي : كبير الإثم والفحش بلفظ الوحدان ، والمراد به : الجنس . والباقون : كَبائِرَ الْإِثْمِ بلفظ الجماعة . قال بعضهم : كَبائِرَ الْإِثْمِ يعني : الشرك باللّه ، وَالْفَواحِشَ يعني : المعاصي . وقال بعضهم : كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ بمعنى واحد ، لأن كل فاحشة كبيرة ، وكل كبيرة فاحشة . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال « الكبائر أربعة : الشّرك باللّه ، واليأس من روح اللّه ، والقنوط من رحمة اللّه ، والأمن من مكر اللّه » . وروي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال : الكبائر سبعة . فبلغ ذلك إلى عبد اللّه بن عباس ، فقال : هي إلى السبعين أقرب . ويقال : كل ما نهى اللّه عنه فهو كبيرة . وقيل : كل ما أصر العبد عليه فهو كبيرة ، كما روي عن بعضهم أنه قال : لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع الإصرار . قال : إِلَّا اللَّمَمَ وقال بعضهم : اللَّمَمَ هو الصغائر من الذنوب . يعني : إذا اجتنبت الكبائر ، يغفر اللّه صغار الذنوب من الصلاة إلى الصلاة ، ومن الجمعة إلى الجمعة ، وهو كقوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [ النساء : 31 ] قال مقاتل : نزلت في شأن نبهان التمار ، وذلك أن امرأة أتت لتشتري التمر ، فقال لها : ادخلي الحانوت ، فعانقها ، وقبلها ، فقالت المرأة : خنت أخاك ولم تصب حاجتك ، فندم ، وذهب إلى