أبو الليث السمرقندي

311

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

الحديد ، يعني : يمشي مشي الأعرج قد أسلم ، فأوثقه أبوه حين خشي أن يذهب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما وقع في ظهراني المسلمين ، قال : إني مسلم . فجاء أبوه فقال : إنما كتبنا الكتاب الساعة . فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه حق وأنت نبيه ؟ قال : « بلى » . قال : ونحن قوم مؤمنون ؟ وهم كفار ؟ قال : « بلى » . قال : فلم نعطي الدنية في ديننا ؟ قال : « إنّما كتبنا الكتاب السّاعة » . فتحول عمر إلى أبي جندل فقال : يا أبا جندل إن الرجل يقتل أباه في اللّه ، وإن دم الكافر لا يساوي دم كلب ، وجعل عمر يقرب إليه سيفه كيما يأخذه ، ويضرب به أباه . فقال أبو جندل : ما لك لا تقتله أنت ؟ فقال عمر : نهاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فقال : ما أنت بأحق بطاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مني ، لا أقتل أبي ، فأخذ سهيل بن عمرو غصنا من أغصان تلك الشجرة ، فضرب به وجه أبي جندل ، والمسلمون يبكون . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « خلّوا بينه وبين ابنه ، فإن يعلم اللّه من أبي جندل الصّدق ينجه منهم » . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لسهيل : « هبه لي » فقال سهيل : لا . فقال : مكرز بن حفص : قد أجرته . يعني : أمنته فآمنه حتى رده إلى مكة ، فأنجى اللّه تعالى أبا جندل من أيديهم بعد ما رجع النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، فخرج إلى شط البحر ، واجتمع إليه قريبا من سبعين رجلا ، كرهوا أن يقيموا مع المشركين ، وعلموا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لن يقبلهم حتى تنقضي المدة ، فعمدوا إلى عير لقريش مقبلة إلى الشام ، أو مدبرة فأخذوها ، وجعلوا يقطعون الطريق على المشركين ، فأرسل المشركون إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم يناشدونه إلا قبضهم إليه ، وقالوا له : أنت في حلّ منهم . فالتحقوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فعلم الذين كرهوا الصلح ، أن الخير فيما رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ثم أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم أصحابه أن ينحروا البدن ، ويحلقوا الرؤوس ، فلم يفعل ذلك منهم أحد . فدخل النبي صلّى اللّه عليه وسلم على أم سلمة فقال : ألا تعجبين ؟ أمرت الناس أن ينحروا البدن ، ويحلقوا . فلم يفعل أحد منهم . فقالت أم سلمة : قم أنت يا رسول اللّه وانحر بدنك ، واحلق رأسك ، فإنهم سيقتدون بك . فنحر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم البدن ، وحلق رأسه ، ففعل القوم كلهم ، فحلق بعضهم ، وقصر بعضهم . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « يرحم اللّه المحلّقين » . فقالوا : والمقصرين يا رسول اللّه ؟ فقال : « يرحم اللّه المحلّقين ، والمقصرين » . فرجع النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، فنزل إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً إلى قوله : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ يعني : السكون ، والطمأنينة في البيعة ، في قلوب المؤمنين . لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ يعني : تصديقا مع تصديقهم الذي هم عليه . ويقال : تصديقا بما أمرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في البيعة . ويقال : يعني : إقرارا بالفرائض ، مع إقرارهم باللّه تعالى . وروي عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ قال : يعني : الرحمة فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً . قال : إن اللّه تعالى بعث رسوله صلّى اللّه عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا اللّه ، محمد رسول اللّه ، كما قال : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) اللَّهُ الصَّمَدُ ( 2 ) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 ) [ الإخلاص ] فلما