أبو الليث السمرقندي

281

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً يعني : مجتمعة للحساب على الركب كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا يعني : إلى ما في كتابها من خير أو شر ، وهذا كقوله : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [ الإسراء : 71 ] يعني : بكتابهم الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني : يقال لهم : اليوم تثابون بما كنتم تعملون في الدنيا ، من خير أو شر . قوله تعالى : هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ يعني : هذا الذي كتب عليكم الحفظة يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ يعني : يشهد عليكم بالحق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني : نستنسخ عملكم من اللوح المحفوظ ، نسخة أعمالكم ، ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الحسنات والسيئات . قال أبو الليث رحمه اللّه : حدّثنا الخليل بن أحمد . قال : حدّثنا الماسرجسي قال : حدّثنا إسحاق قال : حدثنا بقية بن الوليد قال : حدّثنا أرطأة بن المنذر . قال : عن مجاهد ، عن ابن عمر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أوّل ما خلق اللّه القلم ، فكتب ما يكون في الدّنيا من عمل معمول ، برا وفاجرا وأحصاه في الذّكر فاقرؤوا إن شئتم إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فهلّ يكون النّسخ إلّا من شيء قد فرغ منه » . وروى الضحاك ، عن ابن عباس ، أن اللّه تعالى وكل ملائكته ، يستنسخون من ذلك الكتاب المكتوب عنده كل عام في شهر رمضان ، ما يكون في الأرض من حدث إلى مثلها من السنة المقبلة ، فيعارضون به ، حفظه اللّه تعالى على عبادة كل عشية خميس ، فيجدون ما رفع الحفظة موافقا لما في كتابهم ذلك ، لا زيادة فيه ولا نقصان . وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ألستم قوما عربا ، هل يكون النّسخ إلّا من أصل كان قبل ذلك ؟ وقال القتبي : إنّا كنّا نستنسخ . قال إن الحفظة يكتبون جميع ما يكون من العبد ، ثم يقابلونه بما في أم الكتاب ، فما فيه من ثواب أو عقاب أثبت ، وما لم يكن فيه ثواب ولا عقاب محي فذلك قوله : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ [ الرعد : 39 ] الآية . وقال الكلبي : يرفعان ما كتبا ، فينسخان ما فيها من خير أو شر . ويطرح ما سوى ذلك . قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ وقد ذكرناه . قوله عز وجل : وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا يعني : جحدوا بالكتاب والرسل والتوحيد . يقال لهم : أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ يعني : تقرأ عليكم في الدنيا فَاسْتَكْبَرْتُمْ يعني : تكبرتم عن الإيمان والقرآن وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ يعني : مشركين ، كافرين بالرسل والكتب .