أبو الليث السمرقندي
272
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم ذكر كفار مكة فقال : إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى يعني : ما هي إلا موتتنا الأولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ بعدها فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنا نبعث بعد الموت ، يعني : قالوا ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلم . قال اللّه تعالى : أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ يعني : قومك خير أم قوم تبع ، وإنما ذكر قوم تبع ، لأنهم كانوا أقرب إلى أهل مكة في الهلاك من غيرهم . قال الكلبي : وكانوا أشراف حمير وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ فكيف لا نهلك قومك إذا كذبوك قال : وكان تبع اسم ملك منهم ، مثل فرعون . ويقال : إنما سمي تبع ، لكثرة أتباعه ، فأسلم فخالفوه فأهلكهم اللّه تعالى ، وكان اسمه سعد بن ملكي كرب . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، أن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : إن تبع كان رجلا صالحا . وكان كعب الأحبار يقول : ذم اللّه قومه ، ولم يذمه . وقال سعيد بن جبير : إن تبعا كسا البيت ، يعني : الكعبة . وقال القتبي : هم ملوك اليمن ، كل واحد منهم يسعى تبعا ، لأنه يتبع صاحبه ، وكذلك الظل يسمى : تبعا لأنه يتبع الشمس ، وموضع التبع في الجاهلية ، موضع الخليفة في الإسلام ، وهم ملوك العرب . ثم قال : وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني : من قبل تبع أَهْلَكْناهُمْ يعني : عذبناهم عند التكذيب إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ يعني : مشركين . [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 38 إلى 42 ] وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 38 ) ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 39 ) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ( 40 ) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 41 ) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 42 ) قوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ يعني : عابثين لغير شيء ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ يعني : إلا لأمر هو كائن . ويقال : خلقناهما للعبرة ، ومنفعة الخلق ويقال : للأمر والنهي ، والترهيب والترغيب وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ يعني : لا يصدقون ولا يفقهون . قوله تعالى : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ أي : يوم القضاء بين الخلق ، وهو يوم القيامة مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ يعني : ميعادهم أجمعين ، الأولين والآخرين . ويقال : يوم الفصل ، يعني : يوم يفصل بين الأب وابنه ، والأخ وأخيه ، والزوج والزوجة ، والخليل والخليلة ، ثم وصف ذلك اليوم فقال : يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً يعني : لا يدفع ولي عن ولي ، ولا قريب عن قريب شيئا في الشفاعة وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يعني : لا يمنعون مما نزل بهم من العذاب . يعني : الكافرين . ثم وصف المؤمنين ، فإنه يشفع بعضهم لبعض فقال : إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ في نعمته للكافرين الرَّحِيمُ بالمؤمنين .