أبو الليث السمرقندي

269

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قريشا حين كذبوه يعني : صلّى اللّه عليه وسلم دعا عليهم فقال : « اللّهمّ اشدد وطأتك على مضر ، اللّهمّ اجعلها سنين كسنيّ يوسف - عليه السلام - » فأصابهم سنة ، وشدة الجوع ، حتى أكلوا الكلاب ، والجيف والعظام ، حتى كان يرى أحدهم كأن بينه وبين السماء دخانا . فذلك قوله : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يعني : انتظر بهلاكهم يوم تأتي السماء بدخان مبين يَغْشَى النَّاسَ يعني : أهل مكة هذا عَذابٌ أَلِيمٌ يعني : يقولون : هذا الجوع عذاب أليم ثم إن أبا سفيان وعتبة بن ربيعة والعاص بن وائل وأصحابهم قالوا : يا رسول اللّه استسق اللّه لنا ، فقد أصابنا شدة . قوله تعالى : رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ يعني : الجوع إِنَّا مُؤْمِنُونَ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى يعني : من أين لهم التوبة والعظة والتذكرة وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ بلغتهم ومفقه لهم ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ يعني : أعرضوا عما جاء به ، فلم يصدقوه ومع ذلك وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ يعلمه جبر ويسار أسماء الرجلين غلامي الخضر إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ إلى المعصية ، فعادوا فانتقم منهم يوم بدر ، فذلك قوله : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى يعني : نعاقب العقوبة العظمى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ منهم بكفرهم ويقال : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى يعني : يوم القيامة . ويقال : آية الدخان لم تمض ، وستكون في آخر الزمان . وروى إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي - رضي اللّه عنه - قال : لم تمض آية الدخان يأخذ المؤمن كهيئة الزكام ، وينتفخ الكافر حتى يصير كهيئة الجمل . وروى ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس قال : « أخبرت أنّ الكوكب ذا الذّنب قد طلع ، فخشيت أن يكون الدّخان قد طرق » ويقال : هذا كله يوم القيامة ، إذا خرجوا من قبورهم ، تأتي السماء بدخان مبين ، محيط بالخلائق فيقول الكافرون : رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ أي : ردنا إلى الدنيا إِنَّا مُؤْمِنُونَ يقول اللّه تعالى : من أين لهم الرجعة ، وقد جاءهم رسول مبين فلم يجيبوه . [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 17 إلى 29 ] وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ( 17 ) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 18 ) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 19 ) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ( 20 ) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ( 21 ) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ( 22 ) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 23 ) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ( 24 ) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ( 27 ) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ ( 28 ) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ( 29 )