أبو الليث السمرقندي

247

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

الظالمين إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وذكر أن أبا بكر رضي اللّه عنه ، كان عند النبي صلّى اللّه عليه وسلم ورجل من المنافقين يسبه ، وأبو بكر رضي اللّه عنه لم يجبه ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ساكت يبتسم ، فأجابه أبو بكر ، فقام النبي صلّى اللّه عليه وسلم وذهب ، فقام إليه أبو بكر فقال : يا رسول اللّه ما دام يسبني كنت جالسا ، فلما أجبته قمت فقال صلّى اللّه عليه وسلم : إن الملك كان يجيبه عنك ، فلما أجبته ذهب الملك ، وجاء الشيطان وأنا لا أجلس في مجلس يكون فيه الشيطان . فنزل فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ . وروى محمد بن المنكدر قال : ينادي المنادي يوم القيامة ، من كان له عند اللّه حق ، فليقم . قال : فيقوم من عفا وأصلح . قوله عز وجل : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ يعني : انتصف بعد ظلمه ، واقتص منه فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ يعني : من مأثم . وقال قتادة : هذا ، فيما يكون بين الناس من القصاص ، فأما لو ظلمك ، لا يحل لك أن تظلمه ، يعني : فيما لا يحتمل القصاص . وقال الحسن : يعني : إذا قال : لعنك اللّه ، أن تقول له : يلعنك اللّه ، وإذا سبك ، فلك أن تسبه ما لم يكن فيه حد ، أو كلمة لا تصلح . ثم قال تعالى : إِنَّمَا السَّبِيلُ يعني : الإثم والحرج عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ يعني : يبدؤون بالظلم وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يعني : ويظلمون في الأرض ، ويعملون المعاصي أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني : وجيع . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 43 إلى 46 ] وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 43 ) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ( 44 ) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ ( 45 ) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ ( 46 ) قوله عز وجل : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ يعني : صبر عن مظلمته ، فلم يقتص من صاحبه وغفر يعني : تجاوز عنه إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يعني : الصبر والتجاوز من أفضل الأمور ، وأصوب الأمور . قال بعضهم : هذه الآيات مدنيات . وقال بعضهم : مكيات . قوله تعالى : وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ يعني : يخذله اللّه عن الهدى ويقال من يخذله ويتركه على ما هو فيه من ظلم الناس فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ يعني : ليس له قريب يهديه ، ويرشده إلى دينه من بعده ، يعني : من بعد خذلان اللّه تعالى إياه .