أبو الليث السمرقندي
229
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ يعني : أبا جهل وأصحابه ، خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني : النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ويقال : نزلت في شأن جميع الكفار ، وجميع المؤمنين . يعني : من كان مرجعه إلى النار ، حاله يكون خيرا أم حال من يدخل الجنة . ثم قال لكفار مكة : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ لفظه لفظ التخيير والإباحة ، والمراد به التوبيخ ، والتهديد ، لأنه بيّن مغير كل عامل . ثم قال تعالى : إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ من الخير ، والشر . قوله تعالى : بصير أي : عالم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ يعني : جحدوا بالقرآن لما جاءهم ، وَإِنَّهُ يعني : القرآن ، لَكِتابٌ عَزِيزٌ يعني : كريم عند المؤمنين . ويقال : كريم على اللّه ، أنزله آخر الكتب . وقال مقاتل : كتاب عزيز يعني : منيع عن الباطل . ويقال : عزيز لا يوجد مثله في النظم ، وكثرة فوائده . لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ قال الكلبي ومقاتل : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ أي : لا يأتيه التكذيب من الكتاب الذي قبله ، كل يصدق هذا ، ولا يجيء من بعده كتاب يكذبه . وقال قتادة : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ يعني : لا يستطيع الشيطان أن يبطل منه حقا ، ولا يؤيد فيه باطلا . قال أبو الليث : حدثنا الخليل بن أحمد . قال : حدثنا الباغندي . قال : حدثنا محمد بن سلمة ، عن أبي سنان ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البحتري ، عن الحارث الأعور ، عن علي بن أبي طالب قال : قيل للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : إن أمتك ستفترق من بعدك . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « بلى » . فقالوا : ما المخرج منها . فقال جبريل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : قال : كتاب اللّه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد . من ابتغى العلم في غيره ، أضله اللّه ، ومن حكم بغيره ، قصمه اللّه ، وهو الذكر الحكيم ، والنور المبين ، والصراط المستقيم ، فيه خبر من كان قبلكم ، وبيان من بعدكم ، والحكم فيما بينكم هو الفصل المبين ، وهو الفضل ، وليس بالهزل ، وهو الذي سمعته الجن ، فقالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا لا يخلق على طول الدهر ، ولا تنقضي عبره ، ولا تفنى عجائبه ، ثم قال للحارث خذها إليك يا أعور . ثم قال : تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ يعني : القرآن تنزيل من اللّه تعالى ، الحكيم في أمره ، المحمود في فعاله . وقال بعضهم : قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ ، لم يذكر جوابه ، وجوابه مضمر . وقال بعضهم : جوابه في قوله : وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ ويقال : جوابه في قوله أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [ فصلت : 44 ] . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 43 إلى 46 ] ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ ( 43 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 44 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 45 ) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 46 )