أبو الليث السمرقندي
163
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
صلاته ، فنزل من محرابه ، ولبست المرأة ثيابها ، وخرجت إلى بيتها ، فخرج حتى عرف بيتها ، وسألها من أنت ؟ فأخبرته : فقال : هل لك زوج ؟ قالت : نعم . قال أين هو ؟ فقالت : في بعث كذا وكذا ، وجند كذا وكذا . فرجع ، وكتب إلى عامله إذا جاءك كتابي هذا ، فاجعل فلانا في أول الخيل . فقدم في فوارس ، فقاتل ، فقتل . ثم انتظر حتى انقضت عدتها ، فخطبها ، وتزوجها . فبينما هو في المحراب ، إذ تسور عليه ملكان ، وكان الباب مغلقا ، ففزع منهما ، فقالا : لا تخف خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ يعني : اقض بيننا بالعدل . ثم خاصم أحدهما الآخر ، فقال : إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً إلى آخره . فعلم داود - عليه السلام - أنه مراد بذلك ، فخرّ راكعا وأناب . قال الحسن : سجد أربعين ليلة ، لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة . قال : ولم يذق طعاما ، ولا شرابا ، حتى أوحى اللّه عز وجل إليه أن ارفع رأسك فإني قد غفرت لك . وهكذا ذكر في رواية الكلبي عن ابن عباس ، أنه سجد أربعين يوما حتى سقط جلد وجهه ، ونبت العشب من دموعه . فقال : يا رب كيف ترحمني وأنا أعلم أنك منتقم مني بخطيئتي ، وذكر أن جبريل - عليه السلام - قال له : اذهب إلى أوريا فاستحل منه ، فإنك تسمع صوته في يوم كذا ، فأتاه ذات ليلة فناداه ، فأجابه ، فاستحل منه ، فقال : أنت في حلّ . فلما رجع ، قال له جبريل : هل أخبرته بجرمك . قال : لا . قال : فإنك لم تفعل شيئا . قال : فارجع ، فأخبره بالذي صنعت ، فرجع داود فأخبره بذلك ، فقال : أنا خصمك يوم القيامة ، فرجع مغتما ، وبكى أربعين يوما فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال : إن اللّه تعالى يقول : إني أستوهبك من عبدي فيهبك لي ، وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء ، فسري عنه ذلك ، وكان محزونا في عمره ، باكيا على خطيئته . وروي في خبر آخر ، أن داود سمع بني إسرائيل كانوا يقولون في دعائهم : يا إله إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، فيستجاب لهم . فقال لهم داود - عليه السلام - اذكروني فيهم . فقولوا : يا إله إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، وداود ، فقالوا : اللّه أمرك بهذا . قال : لا . فقالوا : لا نزيد فيهم ما لم يأمرك اللّه تعالى بذلك . فسأل داود ربه أن يجعله فيهم ، فأوحى اللّه تعالى إليه ، وذكر له ما لقي إبراهيم من الشدائد ، وما لقي إسحاق ويعقوب - عليهم السلام - فسأل داود ربه أن يبتليه ببلية لكي يبلغ منزلتهم ، فابتلي بذلك حتى بلغ مبلغهم . وقال بعضهم : هذه القصة لا تصح لأنه لا يظن بالنبي مثل داود أنه يفعل مثل ذلك ، ولكن كانت خطيئته أنه لما اختصما إليه ، فقال للمدعي : لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ، فنسبه إلى الظلم بقول المدعي . فكان ذلك منه زلة ، فاستغفر ربه عن زلته ، فذلك قوله : إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ وقال بعضهم : كانوا اثنين . فذكر بلفظ الجماعة فقال : إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ ويقال بعضهم : كانوا جماعة ، ولكنهم كانوا فريقين فقال : إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ يعني : استطال ، وظلم بعضنا على بعض فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ يعني : اقض بيننا بالعدل وَلا تُشْطِطْ أي ولا تجر في الحكم ،