أبو الليث السمرقندي
141
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ يعني : طعام معلوم معروف حين يشتهونه على قدر غدوة وعشية . ثم بيّن الرزق فقال : فَواكِهُ يعني : ألوان الفاكهة وَهُمْ مُكْرَمُونَ بالثواب . ويقال : منعمون فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ في الزيارة يُطافُ عَلَيْهِمْ يعني : يطوف عليهم خدمهم بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمرا جاريا من معين . يعني : الطاهر الجاري بَيْضاءَ . يعني : بخمرة توجب اللذة بَيْضاءَ لَذَّةٍ يعني : شهوة لِلشَّارِبِينَ لا فِيها غَوْلٌ يعني : ليس فيها إثم . ويقال : لا غائلة لها ، ولا يوجع منها الرأس . وروى شريك عن سالم قال : لا فِيها غَوْلٌ أي : لا مكروه فيها ، ولا أذى . وقال القتبي : لا فِيها غَوْلٌ أي : لا تغتال عقولهم ، فتذهب بها . يقال : الخمر غول للحلم ، والحرب غول للنفوس ، والغول البعد وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ قرأ حمزة والكسائي يُنْزَفُونَ بكسر الزاي . وقرأ الباقون : بالنصب فمن قرأ بالنصب فمعناه : لا يذهب عقولهم شربها . ويقال للسكران : نزيف ومنزوف إذا زال عقله . ومن قرأ بالكسر ، فله معنيان : أحدهما لا ينفد شرابهم أبدا ، والثاني أنهم لا يسكرون . ثم قال عز وجل : وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ يعني : غاضات الأعين عن غير أزواجهن . يعني : قصرن طرفهن على أزواجهن ، وقنعن بهم ، ولا يبغين بهم بدلا . ثم قال : عِينٌ أي : حسان الأعين شدة البياض في شدة السواد . يقال لواحدة العين : عيناء . يعني : كبيرة العين . ويقال : الحسن العيناء التي سواد عينها أكثر من بياضها . ثم قال : كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ يعني : إنهن أحسن بياضا من بيض النعم ، والعرب تشبه النساء ببيض النعام . يقال : لا يكون لون البياض في شيء أحسن من بيض النعام . وقال قتادة : البيض التي لم تلوثه الأيدي . ويقال : البيض أراد به القشر الداخل من البيض المكنون قد خبأ ، وكنّ من البرد والحر فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ يعني : يسأل بعضهم بعضا عن حاله في الدنيا . قوله عز وجل : قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ يعني : من أهل الجنة إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ وهو الذي بيّن اللّه تعالى أمرهما في سورة الكهف جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ [ الكهف : 32 ] فكانا أخوين وشريكين ، وأنفق أحدهما ماله في أمر الآخرة ، واتخذ الآخر لنفسه ضياعا ، وخدما ، واحتاج المؤمن إلى شيء ، فجاء إلى أخيه الكافر يسأله ، فقال له الكافر ما صنعت بمالك ، فأخبره أن قدمه إلى الآخرة ، فقال له الكافر : يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ يعني : إنك ممن يصدق بالبعث . وطلب منه أن يدخل في دينه ، ولم يقض حاجته ، فذلك قوله : أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ بالبعث بعد الموت .