أبو الليث السمرقندي

126

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

أَيْدِيكُمْ من أمر الآخرة فاعملوا لها وَما خَلْفَكُمْ من أمر الدنيا فلا تغتروا بها . وقال مقاتل : اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ لكيلا يصيبكم مثل عذاب الأمم الخالية وَما خَلْفَكُمْ يعني : واتقوا ما بين أيديكم أي : من عذاب الآخرة . والأول قول الكلبي . ثم قال : لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يعني : لكي ترحموا فلا تعذبوا وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ يعني : مكذبين . وهذا جواب لقوله عز وجل : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ الآية . ثم أخبر عن حال زنادقة الكفار فقال عز وجل : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ يعني : تصدقوا من المال الذي أعطاكم اللّه عز وجل : قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ على وجه الاستهزاء منهم إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني : في خطأ بيّن . قال بعضهم : هذا قول الكفار الذين أمرهم بالنفقة . وقال بعضهم : هذا قول اللّه تعالى . يعني : قل لهم يا محمد : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وروي عن ابن عباس مثل هذا . ثم قال عز وجل : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يعني : متى هذا الوعد الذي تعدونا به يوم القيامة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأنا نبعث بعد الموت ، فيقول اللّه تعالى : ما يَنْظُرُونَ بالعذاب إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً يعني : لا حظر لإهلاكهم ، فليس إلا صيحة واحدة تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ قرأ عاصم في رواية أبي بكر يَخِصِّمُونَ بكسر الياء والخاء . وقرأ نافع يخصمون بنصب الياء ، وسكون الخاء . وقرأ الكسائي وعاصم في رواية حفص وابن عامر في إحدى الروايتين : بنصب الياء ، وكسر الخاء . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو بنصب الياء والخاء . وقراءة حمزة يَخِصِّمُونَ بنصب الياء ، وجزم الخاء بغير تشديد . ومعناه : تأخذهم وبعضهم يخصم بعضا . ومن قرأ بالتشديد . فالأصل فيه يختصمون فأدغمت التاء في الصاد ، وشددت . ومن قرأ : بنصب الخاء طرح فتحة التاء على الخاء . ومن قرأ بكسر الخاء ، فلسكونها ، وسكون الصاد . وروي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص : لينفخن في الصور ، والناس في طرقهم ، وأسواقهم ، حتى أن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان ، فما يرسله واحد منهما ، حتى ينفخ في الصور ، فيصعق به ، وهي التي قال اللّه تعالى : ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ قال الفقيه أبو الليث رحمه اللّه : وأخبرني الثقة بإسناده عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « تقوم السّاعة والرّجلان يتبايعان الثّوب ، فلا يطويانه ، ولا يتبايعانه . وتقوم السّاعة ، والرّجل يحلب النّاقة ، فلا يصل الإناء إلى فيه . وتقوم السّاعة وهو يلوط الحوض ، فلا يسقي فيه » . ثم قال تعالى : فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً يعني : يموتون من ساعتهم بغير وصية ، فلا يستطيعون أن يوصوا إلى أهلهم بشيء وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ يعني : ولا إلى منازلهم