أبو الليث السمرقندي
116
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
في إحدى الروايتين تَنْزِيلَ بضم اللام ومعناه : هذا القرآن تنزيل أو هو تنزيل العزيز الرحيم ، وقرأ الباقون تَنْزِيلَ بالنصب ، ومعناه : نزّله تنزيلا فصار نصبا بالمصدر . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 6 إلى 10 ] لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ ( 6 ) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 7 ) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ( 8 ) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 9 ) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 10 ) ثم قوله تعالى : لِتُنْذِرَ يعني : لتخوف بالقرآن قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ يعني : كما أنذر آباؤهم الأولون فَهُمْ غافِلُونَ عن ذلك يعني : عما أنذر آباؤهم . ثم قال عز وجل : لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ أي : وجب القول بالعذاب عَلى أَكْثَرِهِمْ أي : على الكفار . ويقال : لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ وهو قوله : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ * [ الأعراف : 18 وغيرها ] ويقال : الْقَوْلُ كناية عن العذاب أي : وجب عليهم العذاب فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ يعني : لا يصدقون بالقرآن إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا قال مقاتل : نزلت في بني مخزوم ، وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليدفعنه بحجر ، فأتاه وهو يصلي ، فرفع الحجر ليدمغه ، فيبست يده إلى عنقه ، والتزق الحجر بيده ، ورجع إلى أصحابه ، فخلصوا الحجر من يده . ورجل آخر من بني المغيرة ، أتاه ليقتله ، فطمس اللّه على بصره ، فلم ير النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وسمع قوله ، فرجع إلى أصحابه ، فلم يرهم حتى نادوه ، فذلك قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا وذكر في رواية الكلبي نحو هذا ، وقال بعضهم : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا أي : نجعل في أعناقهم أغلالا يوم القيامة . ويقال : معناه إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا أي : جعلنا أيديهم ممسكة عن الخيرات ، مجازاة لكفرهم . وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا أي : حائلا لا يهتدون إلى الإسلام ، ولا يبصرون الهدى ، وقال بعضهم : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا يعني : أيديهم . ولم يذكر في الآية اليد ، وفيها دليل ، لأن الغل لا يكون إلا باليد إلى العنق . فلما ذكر العنق فكأنما ذكر اليد . وروي عن ابن عباس ، وابن مسعود ، أنهما قرءا : إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا . وقرأ بعضهم فِي أَيْدِيهِمْ . وكل ذلك يرجع إلى معنى واحد . لأنّه لا يجوز أن يكون الغل بأحدهما دون الآخر كقوله : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] ولم يذكر البرد لأن في الكلام دليلا عليه . ثم قال : فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ أي : رددنا أيديهم إلى أعناقهم إِلَى الْأَذْقانِ