الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )
خاتمة 102
تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )
وجازف بعضهم فاطلق في هذا حدّثنا وأخبرنا وهو غلط منكر لم يجوّزه أحد ممّن يعتمد عليه كما صرّح بذلك كلّه في البداية وغيرها ثمّ ذكروا انّ هذا كله إذا وثق بانّه خطّ المذكور أو كتابه وامّا إذا لم يتحقّق الواجد الخطّ فيقول بلغني عن فلان أو وجدت في كتاب اخبرني فلان انّه بخطّ فلان إن كان اخبره به أحد وفي كتاب ظننت انّه بخطّ فلان أو في كتاب ذكر كاتبه انّه فلان أو قيل بخطّ فلان ونحو ذلك وإذا نقل من نسخة موثوق بها في الصّحة بان قابلها هو أو ثقة على وجه يوثق بها المصنّف من العلماء قال في نقله من تلك النّسخة قال فلان وسمّى ذلك المصنّف وان لم يثق بالنّسخة قال بلغني عن فلان انّه ذكر كذا أو وجدت في نسخة من الكتاب الفلاني وما أشبه ذلك من العبارات كما صرّح بذلك في البداية وغيرها قالوا ولنعم ما قالوا انّه قد تسامح أكثر النّاس في هذه الأعصار باطلاق اللّفظ الجازم في ذلك من غير تحرّ وتثبّت فيطالع أحدهم كتابا منسوبا إلى مصنّف معيّن وينقل منه عنه من غير أن يثق بصحّة النّسخة قائلا قال فلان أو ذكر فلان كذا وهو كما ترى مسامحة في الدّين والصّواب ما ذكر نعم ان كان النّاقل فطنا متقنا يعرف السّاقط من الكتاب والمغيّر منه والمصحّف وتامّل ووثق بالعبارة كان المرجوّ له جواز اطلاق اللّفظ الجازم فيما يحكيه من ذلك والظّ انّه إلى هذا استراح كثير من المصنّفين فيما نقلوه من ذلك وإذ قد عرفت ذلك كلّه فاعلم انّه لا خلاف بينهم كما في البداية وغيرها في منع الرّواية بالوجادة المجرّدة لفقد الأخبار فيها الّذى هو المدار في صحّة الرّواية عن شخص نعم لو اقترنت بالإجازة بان كان الموجود خطّه حيا واجازه أو اجازه غيره عنه ولو بوسائط فلا اشكال في جواز الرّواية لأنّ الإجازة اخبار اجمالي فتكون الكتابة بعد لحوقها بمنزلة القول نظير ما ذكروا في الوصيّة والإقرار من انّ كتابة الموصى والمقرّ ليست وصيّة ولا اقرارا الّا إذا لحق بها قوله هذه وصيّتى واقراري فقول المجيز أجزت لك ان تروى عنى كتابي هذا أو الكتب الفلانيّة معناه انّ هذه رواياتى اروها عنى ولو نوقش في دلالته لغة على ذلك فلا يكاد ينكر قضاء العرف بذلك فما توهّمه بعضهم من عدم جواز الرّواية بالوجادة حتى مع لحوق الإجازة لا وجه له نعم وقع الخلاف بين المحدّثين والأصوليّين في جواز العمل بالوجادة الموثوق بها من دون إجازة على قولين أحدهما الجواز وهو المنقول عن جمع منهم الشّافعى ونظار أصحابه وعن بعض المحقّقين التعبير بوجوب العمل بها وهو مراد الباقين بالجواز فانّ من جوّز العمل بها أوجبه وثانيهما المنع وهو المعزى إلى معظم المحدّثين والفقهاء المالكييّن حجّة المجوّزين وجوه الأوّل عموم ادلّة حجّية الخبر السالم عن المعارض وتوهم منع صدق الخبر على الوجادة بدعوى انّ الخبر هو القول وليس القول الّا اللّفظ وليس شئ من الوجادة بلفظ وانّما هي مجرّد نقوش ورسوم ولذا انّ المجوّزين للعمل بالخبر اختلفوا في الوجادة كما ترى فانّ عمدة دليل حجّية الخبر وهو بناء العقلاء على العمل بالخبر الموثوق به جار في الخبر الكتبي كجريه في اللّفظى فانّا نرى العقلاء متسالمين على اعتبار النّقوش والكتابة والاعتماد عليها مع الوثوق بها والأمن من عروض التّغيير والتّزوير عليها من دون تأمّل من أحد ولا مناقشة أصلا وكليّة الثّانى انّه لو توقّف عن العمل بالوجادة لأنسدّ باب العمل بالمنقول لفقد شرط الخبر اللّفظى غالبا الثالث السّيرة والطّريقة فانّها قد استقرّت في جميع الأعصار والأمصار على العمل بالوجادة ونريهم يعملون بها ويرتّبون الآثار عليها من غير نكير ويلزمون من لم يأخذ بها ولم يجر على هذا المنوال فيها وعلى هذا جرت السيّرة والطريقة في عصر النّبى ( ص ) والأئمّة عليهم السّلام مع اطّلاعهم على ذلك واقرارهم بل وفعلهم هم في أنفسهم وجريهم عليهم السّلام على ذلك فترى الإمام عليه السّلام يكتب اليه الرّاوى بما يريد ويكتب اليه الإمام عليه السّلم بجوابه حتى عدّ العلماء المكاتبة قسما من الخبر وعلى ذلك طريقة النّاس وسيرتهم المستمرة في سائر الأعصار والأمصار فانّهم يتوصّلون إلى اغراضهم بالكتابات كما يتوصّلون إليها بالألفاظ والخطابات الشفاهية من بعضهم لبعض من غير فرق أصلا ولولا ذلك ما انتفع النّاس من العلماء وغيرهم بجمع الكتب المدوّنة في جميع الفنون والعلوم بل تكون عاطلة باطلة بل وما كان القران حجّة عليهم وفي ذلك ابطال للدّين والمذهب بل وساير الأديان والمذاهب والحاصل انّه قام الإجماع بل الضّرورة على اعتبار النّقوش والاعتماد على ظاهرها ولكن مع الأمن من التّزوير والوثوق بها كما قام الإجماع والضّرورة على اعتبار ظواهر الألفاظ والخطابات الشّفاهيّة وفي هذا غنى وكفاية بل فوق الكفاية الرابع الأحاديث الكثيرة الدالّة على امر الأئمّة عليهم السّلام أصحابهم بكتابة ما يسمعونه منهم وتأليفه وجمعه قائلين انّه سيأتي على النّاس زمان لا يأنسون الّا بكتبهم بل وأمروا بالعمل بتلك الكتب كما في الخبر الّذى رواه الشّيخ ره في كتاب الغيبة عن عبد اللّه الكوفي خادم الشّيخ أبى القاسم الحسين بن روح رض وفيه بعد ما سئل الشّيخ عن كتب الشّلغانى أقول فيها ما قال العسكري في كتب بنى فضّال حيث قالوا ما نصنع بكتبهم وبيوتنا منها ملئ قال خذوا ما رووا وذروا ما رأوا وروى الكليني ره في الكافي عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن الحسن بن أبي خالد شنبولة قال قلت لأبى جعفر ( ع ) جعلت فداك ان مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما السّلم وكانت التقيّة شديدة فكتموا لكتبهم فلم يرو عنهم فلمّا ماتوا صارت الكتب الينا فقال حدّ ثوابها فانّها حق فانّه نصّ في جواز التحديث بالوجادة مع عدم تعيين كتاب خاص حتى يكون تصديقا منه ( ص ) لشخصه ويكون بحكم الصّادر من لفظه ( ع ) حجة المانعين أمور لفقّها بعض أساطين الفن الاوّل انّه لم يحدّث به لفظا ولا معنى تفصيلا ولا اجمالا فلا يجوز العمل به وان كان قطعي الصدور الّا بعد لحوق الإجازة المنزلة للفعل منزلة القول الّذى اتفق جميع الملل وأهل اللّغات على اعتبار الظنّ الحاصل به وفيه منع انحصار الحجّة في الحديث واللّفظ بل كلما يفيد الاطمينان بالحكم فهو حجة لبناء العقلاء عليه في أمور معاشهم ومعادهم الثاني صحيحة عبد اللّه بن سنان قال قلت لأبى عبد اللّه عليه السلم يحيئنى القوم فيستمعون منّى حديثكم فاضجر فلا أقوى قال فاقرء عليهم من اوّله حديثا ومن وسطه حديثا ومن اخره حديثا بتقريب انّ الكيفيّة المزبورة ليس اعتبارها الّا من حيث انّ قراءة الأوّل والوسط والأخر متضمّنة لإجازة الباقي وظاهر الرّواية انّ ذلك بيان لأقلّ ما يجتزى به في مقام الاعتداد بالرّوايات عملا ورواية وفيه أولا منع كون الكيفيّة المذكورة في الخبر متضمّنة لإجازة الباقي وثانيا منع كون ذلك لبيان اقلّ ما يجتزى به وثالثا على فرض تسليم الأوّلين انّه كما يمكن ان يكون لتوقّف العمل بالحديث الموثوق به على إجازة راويه فكذا يمكن ان يكون لبيان اقلّ ما يحصل به التيمّن باتّصال سلسلة الأسناد إلى المعصوم ( ع ) فانّه امر مهمّ الثالث ان سجيّته السّلف إلى الخلف وضع كتاب الإجازات وبيان أحوال المشايخ واحدا بعد واحد كالشّيخ والمنتجب والفاضلين والشّهيدين والفاضل المجلسي ومن تاخّر عنهم ولولا انّ الإجازة معتبرة وانّها ليست لمجرّد التيّمن والتبرّك كما يظهر من الفاضل القمّى وغيره لكان الاشتغال بما هو اهمّ أولى وأجدر ودعوى انّ الإجازة انّما تفيد في غير المتواترات فما وجه تعميمها لها مدفوعة بانّه خلاف ظاهرهم