الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

خاتمة 53

تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )

على الكراهة كما أن عظم الوعد على الفعل الحقير يستشهدون به على الاستحباب ومنها كون الرّاوى سنّيا والحديث في خلافة الثلاثة وفضائلهم إلى غير ذلك من القرائن والأمارات الدالّة على الوضع لكن ينبغي التثبّت وعدم المبادرة إلى كون الحديث موضوعا بمجرد الاحتمال ما لم يقطع به أو يطمئن ثم انّه لا شبهة في حرمة تعمّد الوضع اشدّ حرمة لكونه كذبا وبهتانا على المعصوم عليه السّلام نعم لو لم يتعمّد في ذلك لم يحكم بفسقه كما نقل انّ شيخا كان يحدّث في جماعة فدخل رجل حسن الوجه فقال الشّيخ في أثناء حديثه من كثرت صلاته باللّيل حسن وجهه بالنّهار فزعم ثابت بن موسى الزّاهد انّه من الحديث فرواه مع انّه ليس من الحديث فبذلك لا يحكم بفسقه لو فرض عدالته في نفسه ثمّ انّ الواضعين أضاف أحدها قوم قصدوا بوضع الحديث التقرّب إلى الملوك وأبناء الدّنيا مثل غياث بن إبراهيم دخل على المهدى بن المنصور وكان يعجبه الحمام الطيّارة الواردة من الأماكن البعيدة فروى حديثا عن النّبى ( ص ) انّه قال لا سبق الّا في خف أو حافرا ونصل أو جناح فامر له بعشرة آلاف درهم فلمّا خرج قال المهدى اشهد انّ قفاه قفا كذّاب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ما قال رسول اللّه ( ص ) جناح ولكن هو أراد ان يتقّرب الينا وامر بذبحها وقال انا حملته على ذلك ثانيها قوم كانوا يضعون على رسول اللّه ( ص ) أحاديث يكتسبون بذلك ويرتزقون به كأبى سعيد المدايني وغيره وقد جعل في البداية من هذا الباب ما اتّفق لأحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرّصافة حيث دخلا المسجد فسمعا قاضيا يقول أخبرنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين عن عبد الرزّاق عن معمّر عن قتادة عن انس انّه صلى اللّه عليه وآله قال من قال لا اله الّا اللّه خلق اللّه من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجانة واخذ في قصّة طويلة فأنكرا عليه الحديث فقال أليس في الدّنيا غيركما احمد ويحيى وأقول جعل ذلك مثالا للصّنف الثّالث أولى ثالثها قوم ينسبون إلى الزّهد والصّلاح بغير علم فيضعون أحاديث حسبة للّه وتقربا اليه ليجذب بها قلوب النّاس إلى اللّه تعالى بالتّرهيب والتّرغيب فقبل النّاس موضوعاتهم ثقة بهم وركونا إليهم لظهور حالهم بالصّلاح والزهد ويظهر لك ذلك من أحوال الأخبار الّتى وضعها هؤلاء في الوعظ والزّهد وضمّنوها اخبارا عنهم ونسبوا إليهم أقوالا وأحوالا خارقة للعادة وكرامات لم يتّفق مثلها لأولى العزم من الرّسل بحيث يقطع العقل بكونها موضوعة وان كانت كرامات الأولياء ممكنة في نفسها قال يحيى بن القطّان ما رايت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير وذلك منهم امّا لعدم علمهم بتفرقة ما يجوز لهم وما يمتنع عليهم أو لأنّ عندهم حسن ظن وسلامة صدر فيحملون ما سمعوه على الصّدق ولا يهتدون لتميز الخطاء من الثّواب ولكن الواضعين منهم وان خفى حالهم على كثير من النّاس فانّه لم يخف على جهابذة الحديث ونقّاده ومن الأحاديث الموضوعة للتّرغيب اخبار فضائل سور القران وقد تقدّم انفا نقل اعتراف أبى عصمة بوضعها حسبة وعن ابن حيان عن ابن مهدي قال قلت لميسرة بن عبد ربّه من اين جئت بهذه الأحاديث من قرأ كذا فله كذا فقال وضعتها ادغّب النّاس فيها وهكذا قيل في حديث أبى الطّويل في فضائل سور القران سورة سورة فروى عن المؤمّل بن إسماعيل قال حدثني شيخ به فقلت للشّيخ من حدّثك فقال حدثني رجل بالمدائن وهو حىّ فصرت اليه فقلت من حدثك فقال حدثني شيخ بواسط وهو حي فصرت اليه فقال حدّثنى شيخ بالبصرة فصرت اليه فقال حدثني شيخ بعبّادان فصرت اليه فاخذ بيدي فادخلنى بيتا فإذا فيه قوم من المتصوّفة ومنهم شيخ فقال هذا الشّيخ حدّثنى فقل يا شيخ من حدّثك فقال لم يحدّثنى أحد ولكنّا رأينا النّاس قد رغبوا عن القران فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القران قال في البداية وكلّ من أودع هذه الأحاديث تفسيره كالواحدى والثّعلبى والزّمحشرى فقد أخطأ في ذلك ولعلّهم لم يطلّعوا على وضعه مع انّ جماعة من العلماء قد نبّهوا عليه وخطب من ذكره مسندا كالواحدى أسهل رابعها قوم زنادقة وضعوا أحاديث ليفسدوا بها الإسلام وينصروا بها المذاهب الفاسدة فقد روى العقيلي عن حمّاد بن زيد قال وضعت الزنادقة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أربعة عشر الف حديث منهم عبد الكريم بن أبي العوجاء الذي قتل وصلب في زمان المهدى بن المنصور قال ابن عدي لما اخذ ليضرب عنقه قال وضعت فيكم أربعة آلاف حديث احرّم فيها الحلال واحلّل الحرام ومنهم بيان بن سمعان الهدى الّذى قتله خالد القشيري واحرقه بالنّار ومحمّد بن سعيد الشّامى المسلوب في الزندقة حيث روى عن حميد عن انس مرفوعا انا خاتم النّبيين لا نبىّ بعدى الّا ان يشاء اللّه وضع هذا الاستثناء لما كان يدعو اليه من الإلحاد والزّندقة والدّعوة إلى التّنبى وروى عن عبد اللّه بن يزيد المقرى انّ رجلا من الخوارج رجع عن بدعته فجعل يقول انظروا هذا الحديث عمّن تاخذونه فانّا كنّا إذا رأينا رأيا جعلنا له حديثا قال في البداية وغيرها انّه قد ذهب الكرّاميّة بكسر الكاف وتفتح وتشديد الرّاء وتخفّف والأوّل اشهر وهم طائفة منتسبون بمذهبهم إلى محمّد بن كرام السّجستانى وبعض المبتدعة من المتصوفة إلى جواز وضع الحديث للتّرغيب والتّرهيب ترغيبا للناس في الطّاعة وزجرا لهم عن المعصية واستدلّوا بما روى في بعض طرق الحديث من كذب علّى متعمّدا ليضلّ به النّاس فليتبوّء مقعده من النار وحمل بعضهم ذلك على من قال انّه ساحر أو مجنون وقال آخر انّما قال من كذب علىّ ونحن نكذّب له ونقوى شرعه ونسئل اللّه السّلامة من الخذلان وحكى القرطبي في محكى المفهم عن بعض أهل الرّاى ان ما وافق القياس الجلى جاز ان يعزّى وينسب إلى النّبى صلّى اللّه عليه وآله ثم المروى تارة بخترعه الواعظ من نفسه وتارة يأخذ كلام غيره كبعض السّلف الصّالح أو قدماء الحكماء أو الإسرائيليات فيجعله حديثا ينسبه إلى المعصوم عليه السّلام أو يأخذ حديثا ضعيف الأسناد فيركب له اسنادا صحيحا ليروج وقيل إن هذا الأخير من القلوب دون الموضوع وقد صنّفوا في الأحاديث الموضوعة كتبا أصاب بعضهم في نسبة الوضع إلى أغلب ما نقله وبعضهم في جملة منها تذييل يتضمن مطالب مختصره الأول انّه إذا ثبت كون حديث موضوعا حرّمت روايته لكونها إعانة على الإثم وإشاعة للفاحشة واضلالا للمسلمين وامّا ضعيف السّند غير الموضوع فلا باس بروايته مطلقا نعم لا يجوز الأذعان به والعمل عليه حتّى في السّنن والكراهة على الأظهر كما تقدّم تحقيقه في ذيل الكلام على الضّعيف خلافا للمشهور الثّانى انّ من أراد ان يروى حديثا ضعيفا أو مشكوكا في صحّته بغير اسناد يقول روى أو بلغنا أو ورد أو جاء أو نقل ونحوه من صيغ التّمريض ولا يذكره بصيغة الجزم كقال رسول اللّه ( ص ) وفعل ونحوها من الألفاظ الجازمة إذ ليس ثمّة ما يوجب الجزم ولو اتى بالأسناد مع المتن لم يجب عليه بيان الحال لأنه قد اتى به عند أهل الاعتبار والجاهل بالحال غير معذور في تقليد ظاهره بل مقصّر في ترك التّثبت وامّا الصّحيح فينبغي ذكره بصيغة الجزم بل يقبح فيه الإتيان بصيغة التّمريض كما يقبح في الضّعيف صيغة الجزم الثالث انّه قال غير واحد انّه إذا رايت حديثا باسناد ضعيف فلك ان تقول هو ضعيف بهذا الأسناد ولا تقل ضعيف المتن ولا ضعيف وتطلق بمجرد ضعف ذلك الأسناد فقد يكون له اسناد آخر صحيح الّا ان يقول ماهر في الفنّ انّه لم يرو من وجه صحيح أو ليس له اسناد يثبت به أو انّه حديث ضعيف مفسّرا ضعفه فان اطلق ذلك الماهر ضعفه ولم يفسّره ففي جوازه لغيره كذلك وجهان مبنيّان على انّ الجرح هل يثبت مجملا أم يفتقر إلى التّفسير وسيأتي الكلام فيه انشاء اللّه تعالى الفصل السّادس فيمن تقبل روايته ومن تردّ روايته وما يتعلّق به من الجرح والتّعديل وينبغي قبل الأخذ في ذلك تقديم مقدّمة ذكرها في البداية وهي انّ معرفة من تقبل روايته ومن تردّ من اهمّ أنواع علم الحديث واتمّها نفعا وألزمها ضبطا وحفظا لأن بها يحصل التّميز بين صحيح الرّواية وضعيفها والتفرقة بين الحجّة واللّاحجّة ولذا جعلوا مصلحته أهم من مفسدة القدح