الثعلبي
99
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وسليم ) ، وهوان وهوين . ومعناهما : ذو الرحمة ، والرحمة : إرادة اللّه الخير بأهله ، وهي على هذا القول صفة ذات . وقيل : هي ترك عقوبة من يستحق العقوبة ، [ وفعل ] الخير إلى من لم يستحق ، وعلى هذا القول صفة فعل ، يجمع بينهما للاتّساع ، كقول العرب : جاد مجد . قال طرفة : فما لي أراني وابن عمي مالكا * متى أدن منه ينأ عني ويبعد « 1 » وقال آخر : وألفي قولها كذبا ومينا « 2 » وفرّق الآخرون بينهما فقال : بعضهم الرَّحْمنِ على زنة فعلان ، وهو لا يقع إلّا على مبالغة القول . وقولك : رجل غضبان للممتلئ غضبا ، وسكران لمن غلب عليه الشراب . فمعنى ( الرَّحْمنِ ) : الذي وسعت رحمته كل شيء . وقال بعضهم : ( الرَّحْمنِ ) العاطف على جميع خلقه ؛ كافرهم ومؤمنهم ، برّهم وفاجرهم بأن خلقهم ورزقهم ، قال اللّه تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ « 3 » ، و ( الرَّحِيمِ ) بالمؤمنين خاصّة بالهداية والتوفيق في الدنيا ، والجنة والرؤية في العقبى ، قال تعالى : وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً « 4 » . ف ( الرَّحْمنِ ) خاصّ اللفظ عامّ المعنى ، و ( الرَّحِيمِ ) عامّ اللفظ خاصّ المعنى . و ( الرَّحْمنِ ) خاص من حيث إنه لا يجوز أن يسمى به أحد إلّا اللّه تعالى ، عامّ من حيث إنه يشمل الموجودات من طريق الخلق والرزق والنفع والدفع . و ( الرَّحِيمِ ) عامّ من حيث اشتراك المخلوقين في المسمّى به ، خاص من طريق المعنى ؛ لأنه يرجع إلى اللطف والتوفيق . وهذا قول جعفر بن محمد الصادق ( رضي اللّه عنه ) . الرَّحْمنِ اسم خاص بصفة عامة ، و الرَّحِيمِ اسم عام بصفة خاصة ، وقول ابن عباس : هما اسمان رقيقان أحدهما أرقّ من الآخر . وأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد المفسّر ، حدّثنا أبو عبد اللّه محمد بن يوسف الدّقاق ، حدّثنا الحسن بن محمد بن جابر ، حدّثنا عبد اللّه بن هاشم ، أخبرنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال : الرَّحْمنِ بأهل الدنيا ، و الرَّحِيمِ بأهل الآخرة . وجاء في الدعاء : يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة . وقال الضحّاك : الرَّحْمنِ بأهل السماء حين أسكنهم السماوات ، وطوّقهم الطاعات ،
--> ( 1 ) الفروق اللغوية : 118 . ( 2 ) الصحاح : 6 / 2210 . ( 3 ) سورة الأعراف : 156 . ( 4 ) سورة الأحزاب : 43 .