الثعلبي

175

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

لِلْمَلائِكَةِ الذين كانوا في الأرض ، والملائكة : الرسل ، واحدها ملك ، وأصله : مالك ، وجمعه : ملائكة ، وهي من الملكة والمالكة والألوك الرسالة ويقال : ألكني إلى فلان ، أي كن رسولي إليه فقلبت ، فقيل : ملاك . قال الشاعر : فلست لإنسي لكن لملاك * تنزّل من جوّ السماء يصوب « 1 » ثمّ حذف الهمزة للخفّة وكثير استعماله فقيل : ملك . قال النضر بن شميل في الملك : إن العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه ، وهو مما فات علمه . إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً أي بدلا منكم ورافعكم إليّ ، سمّي ( خليفة ) لأنه يخلف الذاهب ويجيء بعده ، فالخليفة من يتولى إمضاء الأمر عن الآمر ، وقرأ [ زيد بن علي ] « 2 » : ( خليقة ) بالقاف . قال المفسرون : وذلك أن اللّه تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجن ، فأسكن الملائكة السماء ، وأسكن الجنّ الأرض ، فعبدوا دهرا طويلا في الأرض ثم ظهر فيهم الحسد والبغي ، فاقتتلوا وأفسدوا ، فبعث اللّه إليهم جندا من الملائكة يقال لهم : الجن ، رأسهم عدو اللّه إبليس وهم خزّان الجنان اشتق لهم اسم من الجنّة فهبطوا إلى الأرض ، وطردوا الجنّ عن وجهها فالحقوهم بشعوب الجبال ، وجزائر البحر ، وسكنوا الأرض وخفف اللّه عنهم العبادة ، وأحبّوا البقاء في الأرض لذلك ، وأعطى اللّه إبليس ملك الأرض وملك سماء الدنيا وخزانة الجنان ، فكان يعبد اللّه تارة في الأرض ، وتارة في السماء ، وتارة في الجنة . فلما رأى ذلك دخله الكبر والعجب ، وقال في نفسه : أعطاني اللّه هذا الملك إلّا لأني أكرم الملائكة عليه ، وأعظمهم منزلة لديه ؛ فلما ظهر الكبر جاء العزل ، فقال اللّه له ولجنده : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فلما قال لهم ذلك كرهوا ؛ لأنّهم كانوا أهون في الملائكة عبادة ، ولأنّ العزل شديد . قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها بالمعاصي . وَيَسْفِكُ يصبّ الدِّماءَ بغير حق . فإن قيل : كيف علموا ذلك وهو غيب ؟ والجواب عنه ما قال السّدي : لما قال اللّه لهم ذلك ، قالوا : وما يكون من ذلك الخليفة ؟ قال : تكون له ذرية ، يفسدون في الأرض [ ويتحاسدون ] « 3 » ويقتل بعضهم بعضا « 4 » . قالوا عند ذلك : أَ تَجْعَلُ فِيها ومعناه : فقالوا ، فحذف فاء التنسيق . كقول الشاعر :

--> ( 1 ) الصحاح : 1 / 165 . ( 2 ) تفسير القرطبي : 1 / 263 . ( 3 ) كذا في المخطوط . ( 4 ) تفسير الطبري : 1 / 289 .