أبو الليث السمرقندي
618
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 76 إلى 78 ] إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ( 76 ) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( 77 ) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ( 78 ) قوله عز وجل : إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى يعني : من بني إسرائيل . ويقال : كان ابن عم موسى فَبَغى عَلَيْهِمْ يعني : تطاول وتكبر على بني إسرائيل ، وكان فرعون قد ملّكه على بني إسرائيل حين كانوا بمصر ، فلما قطع موسى البحر ببني إسرائيل ومعه قارون ، وأغرق اللّه تعالى فرعون وجنوده ، ورجع موسى عليه السلام ببني إسرائيل إلى أرض مصر وسكنوا ديارهم كما قال في رواية أخرى وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [ الشعراء : 59 ] وجعلت الحبورة لهارون ، وهو الرأس الذي يقرّب القربان . فقال قارون لموسى : لك النبوة ولهارون الحبورة والمذبح ، وأنا لست في ذلك من شيء . فقال له موسى : أنا لم أفعل ذلك ، ولكن اللّه تعالى فعل ذلك . فقال له قارون : لا أصدقك على هذا ، واعتزل قارون ومن تبعه من بني إسرائيل ، وكان كثير المال والتبع . وروي عن الحسن أنه قال : إنّ أول من شرّف الشرف قارون ، لما بنى داره وفرغ منها ، وشرفها وصنع للناس طعاما سبعة أيام ، يجمعهم كل يوم ويطعمهم . وروي عن ابن عباس أنه قال : « لما أمر اللّه تعالى موسى بالزكاة قال لقارون : إن اللّه تعالى أمرني أن آخذ من مالك الزكاة ، فأعط من كل مائتي درهم خمسة دراهم ، فلم يرض بذلك ثمّ قال له : اعط من كلّ مائتي درهم درهما ، فلم يرض بذلك ، فقال له : اعط من كل ألف درهم درهما ، فلم يرض بذلك . وقال لبني إسرائيل : إن موسى لم يرض حتى تناول أموالكم ، فما ترون ؟ قالوا : رأينا لرأيك تبع . قال : فإني أرى أن ترموه فتهلكوه ، فبعثوا إلى امرأة زانية ، فأعطوه حكما على أن ترميه بنفسها ، ثم أتوه في جماعة بني إسرائيل فقالوا : يا موسى ، ما على من يسرق من الحرز ؟ قال : تقطع يده . قالوا : وإن كنت أنت ؟ قال : وإن كنت أنا . قالوا : وما على الزاني إذا زنى ؟ قال : يرجم . قالوا : وإن كنت أنت ؟ قال : وإن كنت أنا . قالوا : فأنت قد زنيت . قال : أنا ، وجزع من ذلك ، فأرسلوا إلى المرأة ، فلما جاءت وعظها وعظم عليها موسى الحلف باللّه ، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل ، وأنزل التوراة على موسى إلا صدّقت . قالت : أما إذا حلّفتني ، فإني أشهد أنك بريء ، وإنك رسول اللّه . وقالت : أرسلوا إليّ فأعطوني حكمي على أن أرميك بنفسي . قال : فخرّ موسى عليه السلام للّه ساجدا يبكي ، فأوحى اللّه تعالى