أبو الليث السمرقندي
610
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله عز وجل : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني : أعطيناه التوراة مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بالعذاب يعني : من بعد قوم نوح وعاد وثمود بَصائِرَ لِلنَّاسِ يعني : هلاكهم بصيرة للناس وعبرة . ويقال : بَصائِرَ يعني الكتاب بيانا لبني إسرائيل ، ومعناه : ولقد آتينا موسى الكتاب بصائر أي مبينا للناس وَهُدىً من الضلالة لمن عمل به وَرَحْمَةً لمن آمن به من العذاب لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي : لكي يتعظوا ، فيؤمنوا بتوحيد اللّه تعالى . قوله عز وجل : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ يعني : ما كنت يا محمد بناحية الجبل من قبل المغرب إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ يعني : إذ عهدنا إليه بالرسالة . ويقال : أحكمنا معه ، وعهدنا إليه بأمرنا ونهينا وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ يعني : الحاضرين لذلك الأمر وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً يعني : أحدثنا وخلقنا أمما ، فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ يعني : الأجل فنسوا عهد اللّه عز وجل وتركوا أمره . وقال : وَما كُنْتَ ثاوِياً يعني : مقيما فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا يعني : تتلو على أهل مكة القرآن يعني : أن اللّه تعالى أعلمك أخبار الأمم الماضية من حديث موسى وشعيب عليهما السلام ليكون علامة لنبوتك حيث تخبرهم بخبر موسى ، ولم تكن حاضرا هناك ، ولم تكن تقرأ القرآن وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ إليك لتخبرهم بخبر أهل مدين ، وبخبر موسى عليه السلام . ويقال : وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ يعني : أرسلناك رسولا ، وأنزلنا عليك هذه الأخبار لتخبرهم ، ولولا ذلك لما علمتها . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 46 إلى 47 ] وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 46 ) وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) قوله عز وجل : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ يعني : بناحية الجبل الذي كلّم اللّه تعالى به موسى . يعني : عن يمين موسى ولولا ذلك : إِذْ نادَيْنا يعني : كلمنا موسى . ويقال : إِذْ نادَيْنا يعني : أمتك ، وذلك أن اللّه تعالى لما وصف لموسى نعت أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأحب موسى أن يراهم ، قال اللّه تعالى لموسى : إنك لن تراهم وإن شئت أسمعتك كلامهم ، فأسمعه اللّه تعالى كلامهم ، وقال أبو هريرة رضي اللّه عنه معنى قوله : إِذْ نادَيْنا يعني : « نودوا ، يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني ، واستجبت لكم قبل أن تدعوني » . وروى الأعمش عن ابن مدرك عن أبي زرعة قال : رفع الحديث في قوله : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا - قال : نودي يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني ، وأعطيتم قبل أن تسألوني . وعن عمرو بن شعيب قال : سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن قوله : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا ما كان النداء ، وما كانت الرحمة ؟ قال : كتاب كتبه اللّه تعالى قبل أن يخلق خلقه بألفي