أبو الليث السمرقندي
606
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ يعني : أتممت لك ، إما الثماني وإما العشر فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ أي : لا سبيل لك علي . ويقال : لا ظلم علي بأن أطالب بأكثر منه ، فإن قيل : كيف تجوز الإجارة بهذا الشرط على أحد الأجلين بغير وقت معلوم ؟ قيل له : العقد قد وقع على الثماني ، وهو قوله : أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ وإنّما خيّره في الزيادة ، والإجارة بهذا الشرط في الشريعة جائزة أيضا ، ثم قال : وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ يعني : شهيد فيما بيننا . ويقال : شاهد على ما نقول ، وعلى عقدنا . وذكر مقاتل : أن رجلا من الأزد سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أيما الأجلين قضى موسى ؟ قال : « اللّه أعلم » حتى أسأل جبريل عليه السلام » ، فأتاه جبريل ، فسأله . فقال : « اللّه أعلم ، سأسأل إسرافيل عليه السلام » فسأله فقال : « حتى اسأل رب العزة » ، فأوحى اللّه تعالى إلى إسرافيل عليه السلام : « أن قد قضى موسى أبرهما وأوفاهما » « 1 » . وروي عن ابن عباس أنه قال : « قضى موسى أتمّ الأجلين » ، وقد كان شرطه له أن ما ولدت في ذلك العام ولدا أبلق ، فهو له ، فولدت في ذلك العام كلها بلقا ، فأخذ الغنم البلق وقيل : مثل هذا الشرط في شريعتنا غير واجب ، إلا أن الوعد من الأنبياء عليهم السلام واجب ، فوفاه بوعده ، فلما أراد أن يخرج قال لشعيب عليه السلام : يا شيخ أعطني عصا أسوق بها غنمي . فقال لابنته : التمسي له عصا ، فجاءت بعصا شعيب عليه السلام . فقال شعيب عليه السلام : ردي هذه ، وكانت تلك العصا أودعها إياه ملك في صورة إنسان ، وكانت من عود آس الجنة ، فردتها والتمست غيرها ، فلم يقع في يدها غيرها ، فأعطته ، فخرج مع أهله فضلّ الطريق ، وكانت ليلة باردة مظلمة ، فذلك قوله تعالى : فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ يعني : بامرأته آنَسَ يعني : أبصر مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا يعني : قفوا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أي : خبر الطريق أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ قرأ عاصم جَذْوَةٍ بنصب الجيم ، وقرأ حمزة جَذْوَةٍ بضم الجيم ، وقرأ الباقون جَذْوَةٍ بالكسر ، فهذه لغات معناها واحد ، يعني : قطعة من النار . ويقال : شعلة ، وهو عود قد احترق بعضه لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي : لكي تصطلوا من البرد ، فترك امرأته في البرية وذهب . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 30 إلى 32 ] فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 30 ) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ( 31 ) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 32 )
--> ( 1 ) عزاه السيوطي : 6 / 409 إلى البزار وأبي يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس و 4 / 410 أخرجه ابن مردويه عن جابر .