أبو الليث السمرقندي
585
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
الماء ، فشمّرت ثيابها وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها فنظر سليمان إلى ساقيها وكانت شعراء ، فاستشار سليمان الإنس في ذلك ، فأشاروا عليه بالموسى ، فقال سليمان : الموسى تخدش ساقيها ، فاستشار الجن فأشاروا عليه بالنّورة ، فأصل النورة من ذلك الوقت . وروي أن سليمان ما نظر إلى ساق أحسن الساقين ولا خلاف بين الروايتين ، لأنه يكون أحسن الساقين شعراوين . وروي عن عائشة رضي اللّه عنها أنها سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت : « أنا أحسن ساقين أم بلقيس ؟ فقال لها النبي عليه السلام : « كانت هي أحسن ساقين منك في الدّنيا ، وأنت أحسن ساقين منها في الآخرة » فلما كشفت عن ساقيها قال لها سليمان : لا تكشفي عن ساقيك قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ يقول قصر مملس ، ولهذا سمّي أمرد الذي لم ينبت له الشعر ويقال : ممرد يعني ، قوي شديد ، كما يقال شيطان مريد مِنْ قَوارِيرَ يعني : من الزجاج ، فلما رأت السرير والصرح ، علمت أن ملكها ليس بشيء عند ملك سليمان ، وأن ملكه من اللّه تعالى ، وأنه نبي حقا . ثم إن سليمان دعاها إلى الإسلام فأجابت ، فذلك قوله تعالى قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بعبادتي للشمس وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ وأخلصت ديني للّه تعالى مع سليمان بالتوحيد ويقال : مَعَ سُلَيْمانَ يعني : أسلمت على يدي سليمان للّه رَبِّ الْعالَمِينَ وتابت إلى اللّه تعالى من شركها قال مقاتل : فاتخذها سليمان لنفسه ، فولدت له داود بن سليمان قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « هي أحسن ساقين من نساء العالمين وهي من أزواج سليمان في الجنّة » . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 45 إلى 49 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ ( 45 ) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 46 ) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ( 47 ) وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ( 48 ) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 49 ) قوله عز وجل : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني : أمرهم بأن يعبدوا اللّه ويطيعوه ويوحّدوه فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ مؤمنون وكافرون ، فإذا قوم صالح مؤمن وكافر يختصمون ، يقول كل فريق : الحق معي ، وقد ذكرنا خصومتهم في سورة الأعراف وهي قوله : قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [ الأعراف : 75 ] الآية وطلبت الفرقة الكافرة على تصديق صالح العذاب ، قالَ لهم صالح عليه السلام يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ ، يعني : بالعذاب قَبْلَ الْحَسَنَةِ ، يعني : العافية . ويقال : التوبة ، وهو قولهم : يا صالح إن كان ما أتيت به حقا ، فأتنا بما تعدنا من العذاب .