أبو الليث السمرقندي

569

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

تعالى ردا لقولهم : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ يعني : وما جاز لهم وَما يَسْتَطِيعُونَ ذلك ، وقد حيل بينهم وبين السمع . وقد روي عن ابن عباس أنه قال : « لا يستطيعون أن يحملوا القرآن ، ولو فعلوا ذلك لاحترقوا » . ثم قال عز وجل : إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ يعني : إنهم عن الاستماع لمحجوبون وممنوعون . ثم قال فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وذلك حين دعي إلى دين آبائه ، فأخبره اللّه تعالى أنه لو اتخذ إلها آخر عذبه اللّه تعالى ، وإن كان كريما عليه كقوله : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] فكيف بغيره . وروي في الخبر : « أن اللّه تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له : أرميا ، بأن يخبر قومه بأن يرجعوا عن المعصية ، فإنهم إن لم يرجعوا أهلكتهم ، فقال أرميا : يا رب إنهم أولاد أنبيائك ، أولاد إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ، أفتهلكهم بذنوبهم ؟ قال اللّه تعالى : وإنما أكرمت أنبيائي لأنهم أطاعوني ، ولو أنهم عصوني لعذبتهم ، وإن كان إبراهيم خليلي » ويقال : فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم المراد به غيره ، لأنه علم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا يتخذ إلها آخر ثم قال فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ إن عبدت غيري ، فتكون من الهالكين . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 214 إلى 220 ] وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( 214 ) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 215 ) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 216 ) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 217 ) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 ) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ( 219 ) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 220 ) قوله عز وجل : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ يعني : خوّف أقرباءك بالنار لكي يؤمنوا ، ويثبتوا على الإيمان من كان منهم مؤمنا . وروى هشام عن الحسن قال : لما نزلت هذه الآية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ جمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أهل بيته فقال لهم : « يا بني هاشم يا بني عبد المطّلب تعلمون أنّي رسول اللّه إليكم ، وأنّي لا أملك لكم من اللّه شيئا ، لي عملي ولكم عملكم ، وإنّما أوليائي منكم المتّقون ، فلا أعرفنّ ما جاء النّاس يوم القيامة بالآخرة ، وجئتم بالدّنيا تحملونها على رقابكم » « 1 » وذكر السدي هكذا ثم قال : « ألا فاتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة » . وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال لما نزل وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ « أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الصفا فصعد عليه ، ثم نادى بأعلى صوته : « يا صباحاه » ، فاجتمع الناس فقال عليه

--> ( 1 ) بنحوه حديث عائشة : عند مسلم ( 205 ) وأحمد 6 / 187 والترمذي ( 3184 ) . وحديث أبي هريرة عند البخاري ( 2753 ) و ( 4771 ) ومسلم ( 204 ) وأحمد 2 / 333 و 360 .